" العلوم الانسانية و الاجتماعية بالمغرب ورهانات مجتمع المعرفة و التنمية الشاملة : الواقع و الآفاق"


                       الأستاذ:عبد الرحيم عمران

1.      أهمية العمل على تنمية العلوم الانسانية و الاجتماعية بالمغرب:

إن الأهمية النظرية ( بعد النظر ) و التطبيقية للعلوم الانسانية و الاجتماعية لا تخفى اليوم على أحد، لتحليل و فهم و استشراف و ظائف و دينامية المجتمع المغربي المركبة و ظواهره و روابطه و تفاعلاته ، و مكانة و دور و مآلية و فاعلية مختلف شرائحه و فئاته المجتمعية ، و لتوفير أفضل الشروط المعرفية لتنميته الشاملة و المستدامة.


1.2.  التحولات المجتمعية السريعة و مهام العلوم الانسانية و الاجتماعية:

إن إيقاعات التحولات المجتمعية السريعة و المتسارعة التي يعرفها اليوم المجتمع المغربي، أصبحت تستدعي تشجيع و تطوير البحث العلمي الجامعي  في مجالات العلوم الانسانية و الاجتماعية لفهم أهم المحددات و الميكانيزمات الفاعلة وراء هذه التحولات ، و لاستشراف تطوراتها و الواردة، و لبلورة استراتيجيات التدخل الفاعلة : خاصة و أن إيقاع دينامية هذه التحولات المجتمعية ولدت معها، مجتمعيا و مؤسساتيا و سياسيا ، رغبة أكيدة لإنتاج و تطوير المعرفة العلمية المتخصصة حولها. و هو ما يجعل العلوم الانسانية و الاجتماعية اليوم بالمغرب تتموقع تاريخيا و مجتمعيا و مشاريعيا و معرفيا و و ظيفيا، ضمن سيرورات و دينامية المشروع المجتمعي الديمقراطي و أوراشه التنموية و توازناته الكبرى و رهانات انبناءاته الواعدة.
إن أهمية العلوم الانسانية و الاجتماعية معرفيا، تكمن في كونها تستجيب و تعبر عن نزعة و حاجة الانسان إلى معرفة و فهم المجتمع الذي يعيش فيه، و إلى فهم ذاته و فهم الآخرين، باعتباره كائنا معرفيا-اجتماعيا. كما أن مفاهيم و مشاريع و مؤشرات الديمقراطية و الحداثة و التقدم و الرفاه المجتمعي و التنمية الشاملة و المستدامة، أصبحت تحدد اليوم و تقاس اجرائيا من خلال مفهوم و دعائم ومؤشرات "مجتمع المعرفة"، و بالتالي من خلال ما ينتجه المجتمع و ينشره و يتداوله ويتقاسمه و يوظفه من معارف داخل مختلف مؤسساته و فضاءاته المرجعية، و داخل مختلف فئاته العمرية و شرائحه المجتمعية، و في مشاريعه و منجزاته الجماعية منها و الفردية.

كما علينا أن نستحضر ابستيمولوجيا، بكون نمو و ازدهار العلوم الانسانية و الاجتماعية قد ارتبط و تزامن تاريخيا بالفترات الدالة انسانيا و حضاريا، ذات المشاريع الفكرية المجتمعية الكبرى للإنسانية، كالعصر الذهبي الحضاري الإسلامي و عصر النهضة، و الثورة الفرنسية، و الثورة الصناعية، و مشاريع التحرر و البناء الديمقراطي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و مشاريعها المجتمعية و السياسية و التنموية...إلخ، و نحن اليوم في المغرب مجتمعيا و سياسيا، نراهن و نتعاقد على ترسيخ مؤسسات وثقافة وممارسات المجتمع الديمقراطي، ومجتمع المعرفة و الحداثة و المواطنة، و على الاستثمار الكبير والنوعي في تنمية و تأهيل الموارد البشرية الكفأة و الفاعلة و المبادرة و الخلاقة و المنتجة. و هو ما يعني أن الاستثمار الاستراتيجي في ميادين البحث العلمي، و في مقدمتها مجالات العلوم الإنسانية و الاجتماعية، باعتبارها الرافد و الدعامة الأساسية لإنتاج و اكتساب و نشر المعرفة العلمية المتخصصة في هذه المجالات، لتنمية وتأهيل الموارد البشرية الكفأة و المبدعة، و للرفع من مستوى رفاهها الفكري و المعرفي و الثقافي، و لتحصين و تمنيع المجتمع المغربي معرفيا وسلوكيا و حضاريا من شوائب الانغلاقية و التطرف و التعصب و الأنانية و اللامبالاة، و من سلبيات و إكراهات المجتمع.
كما علينا أن نستحضر كون التعرف على الذات المجتمعية و على نوعية توازناتها و اختلالاتها، و على أماكن قوتها و هشاشتها، و على نواظم استقرارها و دينامية تحولاتها، تعتبر من الأهداف و المهام المعرفية المجتمعية للعلوم الإنسانية و الاجتماعية. و تعتبر مواقف التشجيع أو مواقف الحيطة و الارتياب اتجاه هذه العلوم و دراساتها، مؤشرا دالا على مدى استعداد و رغبة المجتمع في التعرف على ذاته و الوعي بمحددات و سيرورات ظواهره و روابطه و علاقاته و تعاقداته، و صراعاته و ومفارقاته، وكذا التعرف على مواصفات حدة و امتداد معضلاته و أماكن هشاشته، وعلى مواصفات انبناءاته الجديدة و جماعاتها الفاعلة و المغيرة.

2.     العلوم الإنسانية و الاجتماعية و نوعية الطلب المجتمعي و حاجياته:
و في ظل دينامية هذه المرحلة المجتمعية الانتقالية من تاريخنا ومن مشروعنا المجتمعي الديمقراطي، يبقى من الأهمية بمكان أن نقف على نوعية الطلب المجتمعي، أي على ما ينتظره المجتمع المغربي من البحث العلمي  و  من الباحثين في مجالات العلوم الإنسانية و الاجتماعية، على اعتيار أن العلوم و بحكم مرجعية موضوعها المعرفي، أي الإنسان و المجتمع، تبقى من أقرب العلوم ارتباطا بقضايا و انشغالات و حاجيات المجتمع المؤسساتية و الفردية، و بنوعية حاجياته و روابطه و تفاعلاته و تعاقداته و توازناته و اختلالاته و استقراريته و تحولاته.
2.1.          العلوم الإنسانية و الاجتماعية و الحاجة المجتمعية:
1.1.2.  الحاجة المجتمعية المعرفية العلمية:
باعتبار أن هذه العلوم تلعب دورا أساسيا في إنتاج و تطوير المعرفة العلمية، المتخصصة، حول مختلف القضايا و الظواهر المجتمعية الشاغلة و المصيرية، و أمام طموحات و تطلعات و أوراش مشروعنا المجتمعي الديمقراطي و تنميته الشاملة و المستدامة ، و أمام رهانات مجتمع المعرفة و المواطنة و الرفاه الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي، و أمام معضلات الفقر و الأمية و البطالة و المفارقات الترابية والاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية القائمة، و أمام رهانات و مشاريع النهوض بأوضاع الطفولة والمراهقة و الشباب و المرأة و الأسرة و المسنين، و الرغبة المجتمعية الأكيدة في ترسيخ ثقافة وممارسات حقوق الإنسان...إلخ، فإن العلوم الإنسانية و الاجتماعية بالمغرب، تبقى مطالبة بأن تساهم وبفاعلية متميزة في إنتاج و تطوير و نشر المعرفة العلمية مجتمعيا حول مختلف هذه القضايا.



2.1.2. الحاجة المجتمعية التنموية:

و تتجلى في أهمية وضرورة ربط جسور التعاون و التعاقد مع مختلف القطاعات و المؤسسات الاجتماعية الفاعلة في مجالات التنمية الاجتماعية و البشرية و الثقافية و الاقتصادية، و العمل على إنتاج و نشر المعرفة العلمية حولها، و المساهمة الفعالة في تأهيلها و تأهيل مواردها البشرية، بهدف تفعيل و أجرأة مبادئ تقاسم المعرفة العلمية و تكافؤ الفرص و التأهيل الجيد و إعادة التأهيل للموارد البشرية، و مشاركتهم الفعالة و الفعلية في دينامية التنمية الشاملة و الرفاه الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و النفسي.

3.1.2. الحاجة المجتمعية الثقافية-التواصلية-الحضارية: 

و تتجلى في أهمية مساهمة العلوم الإنسانية و الاجتماعية في تفعيل آليات و سيرورات الانتقال إلى مجتمع المعرفة و التواصل و الحوار و الحجاج و السلم و التعايش كثقافة و ممارسة، إلى مجتمع الحداثة و الانفتاح و الاجتهاد الفكري و الاشعاع الحضاري. و بالتالي المساهمة الفعالة في عقلنة أنساق تمثلاته و مواقفه و بنى ذهنياته و ممارساته و علاقاته.

من خلال هذه الرؤية و الأهداف و المهام، ندرك جميعا مدى حاجة المجتمع المغربي إلى العلوم الانسانية و الاجتماعية، و إلى أهمية العمل على تشجيع و تطوير البحث العلمي في مختلف الميادين، و على التواصل و النشر و التوزيع العادل لها مجتمعيا، و على مستوى التفاعلات و التبادلات و التظاهرات، و أشكال الشراكة الواردة بين مؤسسات و مجموعات البحث العلمي في هذه المجالات و بين عالم المقاولة و المؤسسات و المصالح الادارية العمومية، و المجالس و الجماعات المحلية و مؤسسات و جمعيات المجتمع المدني...إلخ، كما ندرك مدى أهمية مساهمة العلوم الإنسانية و الاجتماعية في انتاج و نشر معرفة أوسع و أدق حول مختلف الظواهر و السيرورات المجتمعية، إلى أهمية العمل على توفير الشروط العلمية و الفكرية و المؤسساتية للتناظر و للتحاجج المجتمعي حولها، في أبعادها المعرفية الأساسية و في أبعادها و وظائفها التنموية، حول عطائاتها و اجتهاداتها النظرية و المنهجية و التطبيقية. على اعتبار أن كل باحث، أو مجموعة بحث، في مجالات العلوم الانسانية و الاجتماعية إلا و ينطلق من انشغالات أو إشكاليات معرفية-مجتمعية معينة، بأرضية أو باجتهادات نظرية مرجعية، و بتساؤلات أو فرضيات محددة، و بتطلعات معرفية استكشافية، والتي قد تتحول لاحقا إلى استرتيجية و برامج علمية للتدخل و الممارسة.

3.     العلوم الإنسانية و الاجتماعية بالمغرب و مسألة الديمقراطية المجتمعية:

إن إضفاء المصداقية المجتمعية على العلوم الانسانية و الاجتماعية بالمغرب، تقتضي اليوم استرتيجيا العمل على ربطها علميا و تطبيقيا بانشغالات و حاجيات و رهانات المشروع المجتمعي الديمقراطي ببلادنا، و بأوراشه الكبرى في مجالات تنمية و تأهيل الموارد البشرية ، و في مجالات التنمية الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية، و في دراسة و مواجهة المعضلات المجتمية السالفة الذكر، و في العمل على تغيير أنسقة التفكير و بنى الذهنيات و الممارسات الراسخة و السائدة ، و في العمل على نشر و ترسيخ ثقافة التواصل و الانفتاح المجتمعي و المساهمة الفعالة في تأهيل المجتمع، وفي العمل على أجرأة و ترسيخ قيم و مبادئ و ممارسات العدالة المجتمعية و تكافؤ الفرص، و ثقافة و ممارسات المواطنة، و بالتالي المساهمة في تفعيل دينامية تغيير العقليات و السلوكات و عقلنة المجتمع و دمقرطته.

إن إضفاء المصداقية و الاعتبار "للرابطة المجتمعية"، و إدماحها بالتالي كرافعة أساسية لتحديث و دمقرطة العقليات و السلوكات المؤسساتية و الجماعية و الفردية، تبقى اليوم من أهم رهانات و مهام هذه العلوم مجتمعيا ببلادنا. باعتبار أن اختصاصاتها و اهتماماتها و نوعية أبحاثها و مناهجها و تطبيقاتها تعتبر مرجعية هامة، بل و أساسية، لكل تنمية بشرية و اجتماعية و ثقافية و اقتصادية و مدنية و سياسية، ولنشر و لتوزيع المعرفة العلمية مجتمعيا كثقافة متداولة و متقاسمة، و من هنا تأتي أهمية العمل على تشجيع البحث العلمي في هذه الميادين المعرفية، و العمل على نشر و تداول نتائجها مجتمعيا. و هو ما من شأنه أن يوسع من فضاءات حرية التعبير و إبداء الرأي و التناظر و التحاجج المعرفي، و بالتالي من توسيع فضاءات المواطنة و التشبع بقيم و ممارسات الانفتاح و التواصل و التحاور و التساكن و التفاعل، ومن ترسيخ عقلية و ممارسات التوقع و التخطيط و البرمجة و الانجاز و التقييم و المتابعة و حكامة التدبير.

و من خلال نوعية هذه الأهداف و المهام ، فإن العلوم الإنسانية و الاجتماعية تشكل اليوم مصدرا و مرجعية حيوية و فعلية للمساهمة في ترسيخ و تطويلا الديمقراطية المجتمعية ببلادنا و في تحديات الحاضر و المستقبل.

4.     العلوم الإنسانية و الاجتماعية بالمغرب بين اكراهات وصاية السلطة السياسية و مخاطر الانزلاقات الايديولوجية:

وإذا كانت الديمقرطية ببلادنا ستستفيد من عطاءات و اجتهادات و إنتاجات و ممارسات العلوم الإنسانية و الاجتماعية، فإن الديمقراطية أو بالأحرى المناخ الديمقراطي وثقافته و مؤسساته و تعاقداته، تبقى بدورها شرطا أساسيا لمصداقية و عطاءات و اجتهادات و موضوعية هذه العلوم، و لأوراشها و لإنتاجاتها المتميزة عادة ببعد النظر و الخروج عن المألوف و السائد و الراسخ مجتمعيا و ثقافيا بل و سياسيا كذلك؛ و باعتبارها كذلك"المصفاة المعرفية" المجتمعية، والأداة المنهجية التحليلية لنوعية الأنسقة الفكرية و المعتقداتية و للعلاقات و الروابط و التفاعلات، و للإستراتيجيات و التعاقدات المجتمعية، و لتوازناتها و صراعاتها و اختلالاتها و انبناءاتها المتجددة، و بالتالي لنوعية استقرارياتها و تغيراتها، و لنوعية المكانة و الأدوار و فاعلية و مآل مختلف الشرائح و الفئات المجتمعية...إلخ، و ذلك بهدف التحليل و الفهم و الاستشراف و التدخل.
لكن العلوم الانسانية و الاجتماعية، و بحكم مرجعية موضوعها المعرفي، أي الانسان و المجتمع، تبقى و كما سبق الاشارة إلى ذلك، من أقرب العلوم ارتباطا و اقترابا من نسقية المواقف و التمثلاث و المعتقدات و القيم المجتمعية السائدة، و بانشغالات و ضغوطات و تأثيراث الحس العام المجتمعي، و باسترتيجيات و رغبات و مشاريع مختلف الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين، و بإيديولوجياتهم و مصالحهم الصريحة منها و الخفية. ومن هنا تأتي كذلك هشاشة و مخاطر الانزلاقات الايديولوجية و التوظيف السياسي الممنهج و الأداتي لهذه العلوم، لتبرير و تصريف إيديولوجياتها و أوجه نظرها و أولويات مشاريعها تحت غطاء المعرفة العلمية المتخصصة، و كفاءة و مصداقية خبرائها و وجاهة و موضوعية توصياتهم. ففي غياب مؤسسات و معاهد و مراكز البحث العلمي ذات الاستقلالية المؤسساتية و المالية، و في غياب الديمقراطية المجتمعية و السياسية تبقى مخاطر الانزلاق والوصاية و التوجيه  المباشر و غير المباشر واردة جدا مهما قيل.

1.4.  العلوم الإنسانية و الاجتماعية بالمغرب بين مرحلة التشكيك و التهميش و مرحلة إعادة الاعتبار و التوظيف الرسمي:

إذا كانت أهمية العلوم الإنسانية و الاجتماعية مجتمعيا و علميا، تستمد شرعية و جودها، و كما رأينا، من خلال نوعية موضوعها و من خلال نوعية مقارباتها و مناهجها و تقنياتها في طرح و معالجة و تحليل مختلف الظواهر المجتمعية، المؤسساتية منها و الجماعية و الفردية،و إنتاج المعرفة العلمية حولها و العمل على نشرها و تداولها مجتمعيا، فإن واقعنا الجامعي العلمي و المجتمعي يبين لنا بأن هذه العلوم لم تكن و إلى فترة متأخرة جدا، موضوع دعم و تشجيع و تقبل و ارتياح من طرف أصحاب القرار السياسي. و هنا يمكننا زمنيا أن نميز بين مرحلتين متقاطبتين : مرحلة دامت وسادت و إلى حدود أواسط التسعينيات من القرن العشرين، و مرحلة انتقالية في إطار البحث عن شروط إعادة الاعتبار و الاستقلالية و المصداقية.
المرحلة الأولى يمكن وصفها بزمن انعدام الثقة و التشكيك الرسمي في موضوعية و مصداقية و نجاعة العلوم الإنسانية و الاجتماعية، وعلى رأسها الفلسفة و علم الاجتماع و علم النفس و العلوم السياسية، إنها فترة التهميش و الحذر و الرقابة الحادة. و هو ما أثر سلبا على بنية البحث العلمي  في هذه المجالات المعرفية المتخصصة و على باحثيها و أوراشها  و إنتاجاتها ، و قلص بالتالي من تنوع و تعدد عطاءات العلوم الإنسانية و الاجتماعية بالمغرب ومن إشعاعها المجتمعي، وأفرز لنا من ناحية أخرى اهتماما جامعيا متزايدا بالقضايا و الانشغالات المعرفية التنظيرية و الايديولوجية و التاريخية، و أبعد الكثير من الباحثين عن الحقل المجتمعي الميداني التنموي و عن الاهتمام بسيرورات و دينامية المجتمع المغربي و ظواهره المجتمعية المركبة و فاعليها، لترتكز بذلك أغلب الاهتمامات و الدراسات و الأبحاث الجامعية على المقاربات التنظيرية السوسيو-تاريخية والإيثنولوجية و القانونية-الفقهية، مشكلة بذلك براديغما معرفيا جامعيا مهيمنا ،يوجه انشغالات و أبحاث و إنتاجات البحث العلمي في هذه المجالات، و لتستمر بالتالي دينامية الواقع المجتمعي اللآخدة في التعقد و التركيب و التحول بعيدة عن مجهر دراسات و تحاليل هذه العلوم. هذا الواقع المجتمعي الذي سيفاجئنا اليوم معرفيا و احصائيا و تنمويا بظواهر و سلبيات الهجرة الداخلية الحادة و الهجرة السرية، و السكن غير اللائق و بظواهر الفقر و الأمية و البطالة، و بالتحولات الأسرية السريعة و اختلالاتها، و بظاهرة ارتفاع نسبة و فيات الاطفال و الأمهات عند الولادة، و بظاهرة العنف الزوجي و الطلاق المبكر، و ظاهرة "أطفال الشوارع" و المخدرات و التطرف...إلخ، هذا دون أن نغفل التحولات المجتمعية الإيجابة من اتساع نسبة التمدرس و مؤشرات التنمية الاقتصادية، و مشاريع و منجزات إعداد التراب الوطني وتحسين و ارتفاع أمد الحياة و مؤشرات التخطيط العائلي، و مؤشرات الانفراج السياسي المتزايد...إلخ.

 2.4. المرحلة الانتقالية و تعاقدات المشروع المجتمعي الديمقراطي:

من خلال ما تم ذكره، ندرك بأننا اليوم نوجد داخل تعاقدات و دينامية مرحلة جديدة، مرحلة " طي الصفحة" كما يقال و القطيعة مع هواجس مرحلة التشكيك و التهميش للعلوم الإنسانية و الاجتماعية و إعادة المصداقية لها معرفيا و مجتمعيا و سياسيا، لكنها و ككل مرحلة انتقالية في بداية دينامية سيروراتها و تعاقداتها الجديدة، فإنها مازالت تتصف بالهشاشة، و بغياب المؤسسات المرجعية و البنيات الضرورية، و بغياب الوضوح و شروط التعاقد و الاستقلالية، و بتشتت الباحثين المتخصصين، و بسيادة مناطق النفوذ و شبكات الوصاية. و هذا ما يجعلنا ندرك أهمية وضرورة العمل على خلق دينامية مؤسساتية علمية جديدة، قادرة على حفز و تفعيل مختلف الباحثين المنتمين لهذه العلوم بمرجعية و هوية انتمائية جماعية متقاسمة؛ و القادرة كذلك على تبديد مواقف الحذر التي ترسخت زمنيا داخل كل من مؤسسات القطاع العمومي و مؤسسات القطاع الخاص، و مؤسسات تدبير الشأن المحلي و لدى أصحاب القرار السياسي.و هو ما يتطلب كذلك العمل على بلورة سياسية و استرتيجية و طنية لحفز و دعم البحث العلمي في مجالات العلوم الإنسانية و الاجتماعية، قادرة على قلب المعادلة القائمة، و ذلك عبر رؤية شمولية منسجمة و متكاملة على المدى القصير و المتوسط و البعيد، و العمل كذلك على احترام التوازنات و التفاعلات الضرورية بين البحث الأساسي و البحث التطبيقي في هذه الميادين و حقولها المعرفية المتخصصة. في الختام هذه الورقة التقديمية لهذا اليوم الدراسي الجامعي التناظري، يمكننا القول بأن الأمر يتعلق بمكانة و مهام و مستقبل العلوم الإنسانية و الاجتماعية ببلادنا و بضرورة العمل على دمقرطة مؤسساتها و أوراشها و معارفها و نتاجاتها مجتمعيا. و بأنها مسألة تبقى ضرورية، بل و مصيرية ، لربح رهانات و تحديات المجتمع الديمقراطي و مجتمع المعرفة و التنمية الشاملة.

جامعة سيدي محمد بن عبد الله
كلية الآداب و العلوم الانسانية
ظهر المهراز فاس

فاس 23 مارس 2005
هل أعجبك الموضوع ؟

Aucun commentaire:

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران