دينامية المجتمع المغربي وسيكولوجية المواطنة
(واقع وآفاق)
. .
س :أستاذ
عمران ما الذي يلفت اهتمامك كباحث في علم النفس الاجتماعي في الدينامية الاجتماعية
بالمغرب ،هل هناك مميزات معينة لهذه الدينامية؟
ج:إن
الحديث عن الدينامية الاجتماعية في المغرب يؤدي بنا منهجيا إلى التطرق لمحددات ومواصفات
معينة،كإيقاعات هذه الدينامية ونوا ظمها وسيروراتها غير المتجانسة والتفاعلات
والمؤسسات الفاعلة في هذه الدينامية الاجتماعية.
وبطبيعة الحال فالجميع يتفق على أن
المغرب يمر بمرحلة انتقالية مركبة.على مستوى البنيات المجتمعية وسيرورة ديناميتها
،نجتاز فترة انتقالية ،مما يسمى بنسقية ومنظومة المجتمع التقليدي على مستوى نمط
العلاقات والقيم والأدوار السائدة في التربية والعمل والمؤسسات الإنتاجية
والسياسية إلى نسقية ومنظومة المجتمع الحداثي الديمقراطي.
وهنا يمكن أن نقول بأننا نعيش
انتقالا مجتمعيا له مستويات وإيقاعات متعددة ومتباينة.
إلا أن ما يميز هذه الدينامية
المجتمعية بالمغرب هو هذا الإيقاع السريع للتغيير،على سبيل المثال: الوثيرة التي تتغير
بها القيم والعلاقات والأدوار داخل الأسرة المغربية وظاهرة الهجرة وبنية المنظومة
التعليمية ومؤسسات الإنتاج والبينية الديمغرافية والسكانية....إلخ.
إننا كمجتمع نمر –وبصيغة أخرى-من
مجتمع كان متميزا بمجموعة من الثوابت والاستقرارية لمؤسساته وعلاقاته وأدواره
وقيمه وتوازناته إلى دينامية ونو اظم قيمة ومؤسساتية وعلائقية ومشا رعية أخرى،أي
من نمط المجتمع التقليدي الذي كانت تمتد نوا ظمه الأساسية من بنية تنظيمه الأسري
البطريكالي المتجانس إلى مؤسساته السياسية والاقتصادية والثقافية،أي من مجتمع
متميز بمنظومة القيم والضوابط والنواظم المتجانسة إلى نمط مجتمعي مركب ومغاير
يعوزه اليوم هذا التجانس لصالح التعددية والانفتاح والديناميكية والديمقراطية.ولنا
في هذا الجانب عدة أبحاث ودراسات في مجال علم الاجتماع والانتربولوجية والاقتصاد
تبين لنا بأن نموذج العلاقات التي كانت
سائدة داخل الأسرة المغربية هي نفسها التي كانت سائدة على مستوى المقاولة
الاقتصادية والمؤسسات السياسية.حيت نجد بأن المقاولة الاقتصادية كانت لها بدورها مرجعيتها العائلية على نمط ونو اظم
نموذج العلاقات التي كانت سائدة داخل الأسرة المغربية ومرجعيتها العائلية سواء على
مستوى الهوية أو على مستوى التفكير والتدبير والثقافة والسلوكات.
بمعنى أن نمط تربية الأبناء وتدبير
العلاقات السائدة بين أفراد الأسرة بشكلها الهرمي البنيوي والتدبيري السلطوي ،هي
التي كان يتم نقلها إلى المقاولة.لذلك فقد بينت هذه الأبحاث والدراسات الميدانية
نوعية التجانس والتناسق في بنيات المجتمع المغربي التقليدي واستمرارها وامتدادها
وإعادة إنتاجها.
وعندما ننتقل إلى سيرورة الدينامية
الاجتماعية فمعنى ذلك أننا ننتقل إلى سيرورة دينامية التغيير والمرجعيات المتعددة
وإيقاعات
التحول.ويمكن أن نقول هنا بان أهم ما يميز الدينامية الاجتماعية في المغرب بصفة
عامة،وفي مختلف مجالات حياتنا،هو التعدد والانفتاح في مرجعياتها،أي إننا ننتقل من
مجتمع القيم والأدوار وأنماط التفكير والتعامل المتجانسة إلى قيم وأدوار وأنماط
أخرى متباينة بل ومتعارضة في العديد من مرجعياتها ومشاريعها وممارساتها،بمواصفات
ومرجعيات المجتمع المركب والديناميكي.
س:هل نتحكم كمجتمع في هذه التحولات بمعنى هل
ننتقل من الحالة المتجانسة إلى المتحولة بلا مصاعب؟
ج:إن لكل دينامية اجتماعية مستويات
متعددة من الفاعلية والإيقاعات المتباينة، وبطبيعة الحال سياسيا وتدبيريا فإن كل
ديناميكية اجتماعية يمكن أن نبرمجها وننتجها بنوع من التدبير العقلاني والتخطيط
وبنوع من التدخل المحكم والحكامة لجعلها تساير مشاريعنا وتوجهاتنا وبرامجنا،لكن
علينا أن ننتبه أن هناك ديناميكية مجتمعية لا يمكن أن نتحكم فيها لأنها ترتبط
بفاعلية واستراتيجيات ومشاريع الأفراد والجماعات،والتي قد تتسم بنوع من الفاعلية
الديناميكية غير المرتقبة وهو ما يضفي على سيرورات التحولات المجتمعية طابع
الديناميكية والتجديد وجدلية التحكم وانعدام اليقين في نفس الوقت.
لنأخذ مثالين:الأسرة والمقاولة؛إن
الأسرة المغربية اتسمت إلى حد ما،والى فترة زمنية متأخرة،بوحدة المرجعية التقليدية
أي تجانس قيم التنشئة الاجتماعية وامتداد هذه المرجعية إلى باقي مكونات البنية
الاجتماعية كالمؤسسة التربوية والمقاولة والمؤسسة السياسة....إلخ، وعندما ننتقل
إلى الأسرة المغربية كما عليه الآن فإننا نجد أن أهم ما يميزها هو تعدد و تنوع
المرجعيات و البنيات ،لأن الأسرة لم تعد بالأسرة الواسعة الممتدة بقدر ما أصبحت
أسرة مغايرة البنية.
س : تقصد انتقلنا من نمط العائلة إلى نمط الأسرة
النووية؟
ج: نعم ... إن أهم ما يلفت الانتباه
في الأسرة المغربية النووية الحالية هو تنوع المرجعيات و تعددها كما قلت، واختلاف
أساليب التربية و التوجهات و المشاريع الأساسية التي تنظم علاقة الآباء بالأبناء.
فالطفل حاليا تعددت مرجعياته التنشئوية على مستوى الإعلام و الشارع و المدرسة فضلا
عن الأسرة، و هذه المرجعيات نجدها متباينة، فالأب من منطقة معينة والأم من منطقة
أخرى- على سبيل المثال- ناهيك عن اختلاف مهنة الأب و الأم إذا كانت تشتغل و تعدد و
تنوع انشغالاتهما و اهتماماتهما و أساليبهما التربوية، مما يطرح تعدد الثقافات
داخل نفس الأسرة.
س: ألا يهدد هذا التنوع و التعدد في
المرجعيات بنية الأسرة المغربية ككل؟
ج: بطبيعة الحال ،هذا هو الطرح السائد الآن-
مع الأسف- يبلوره و ينتجه كثير من الباحثين في علم الاجتماع و علوم التربية حيث
يقولون بأن وحدة المرجعية الأسرية في المغرب أصبحت الآن مهددة و ينبغي حمايتها ،على
اعتبار أن التنوع مصادر التنشئة والانتماء أصبحت تتميز بعدم التجانس و المفارقة. لكن
ربما الشيء الذي أغفلناه في هذه المعادلة هو أن ما يميز الإنسان الاجتماعي – كما
تؤكد ذلك أبحاث علم النفس و علم النفس الاجتماع- هو استيعابه و هضمه لتعدد
المرجعيات ،فالطفل له القدرة على إدماج المرجعيات المتعددة ، إلا أن اعتقادنا
السائد مجتمعيا هو أن أهم مرجعية للطفل هي التنشئة الاجتماعية المتجانسة و الضابطة
و خاصة منها المرجعية الأسرية، وهذا اعتقاد خاطئ ،فالطفل – كما بينت ذلك الأبحاث
الحديثة المتخصصة – لديه القدرة و الكفاءة على إدماج عدة مرجعيات متعددة و متباينة
دون أن يحدث ذلك لديه نوعا من الاختلال. إن المشكل القائم فعلا هو عندما تكون هذه
المرجعيات متباعدة و متنافرة فيما بينها بكيفية لا يمكن للطفل معها، من خلال
فعاليته و تنظيمه الذاتي، من استيعاب و إدماج و التحكم في هذه المرجعيات . بمعنى
أننا نترك الحبل على القارب, نترك الطفل نهبا للمرجعيات المتعددة و المتنافرة بدون
مصفاة، ولا نزوده بالتوجه الضروري الذي ينمي لديه قدرة التعامل مع ذلك التباين على
نحو إيجابي، وذلك عبر حضور أسري يطبعه الحوار و المحبة و التوجيه و الإشراف
التربوي . إن أهم ما يميز الآن المعرفة العلمية في مجال الطفولة هو الحث على احترام و
حفز فاعلية و دينامية شخصية الطفل و على أهمية التواصل المتعدد المرجعيات الذي
يغني تجربة الطفل في تفاعله مع محيطه.
س: هل يمكن أن نتحدث عن بحث تربوي خاص بالطفل
المغربي ؟
ج : سأجيبك
بصيغة غير مباشرة أو مغايرة،إن الطفل المغربي داخل الثقافة التقليدية و داخل
منظومة التعليم التقليدي، كان يندمج تربويا و تنشئويا عادة داخل مشروع الأسرة
المتميز بنواظم و نمطية إعادة الإنتاج. بمعنى أن الطفل حينما يولد تؤطره مجموعة من
القيم و العادات و أساليب تربية المرجعية الضاغطة و الضابطة، وفق مشاريع و تمثلات
و أدوار محددة تدمج الطفل داخل هذه المعايير و هذه الثقافة المعيارية النمطية و
التنميطية، بمعنى أننا نربي و نشكل و ننمط الطفل اجتماعيا؛ أما الآن فيتبين علميا
أن أهم ما يميز الطفل داخل الأسرة هو فعاليته و ديناميته و اتصافه بالتواصلية و
التنظيم و التدبير الذاتي، والقدرة على استيعاب ما يقع داخل الوسط الأسري ، و
بالتالي عدم موائمة نفس المعايير التربوية التقليدية لهذا المعطى المعرفي العلمي
الجديد. لنأخذ مثلا مرحلة المراهقة التي عادة ما توصف بأنها مرحلة صراع داخل
الأسرة بين الآباء و الأبناء و هذا منظور مغالط لمواصفات و مميزات هذه المرحلة ،فقد
بينت الدراسات النفسية و التربوية الحديثة أن المراهق (ة)هو إنسان (ة) المشروع،
وهذا معناه أننا نوجد داخل دينامية و علاقات الأسرة بين عدة مشاريع: مشروع الأب
مثلا و مشروع الابن المراهق. أي أن العلاقة تبقى بالأساس علاقة تفاعلية بين
إنسانين يحملان مشروعين للحياة و ليس علاقة صراعية كما يبدو لنا للوهلة الأولى؛
تتطلب الحوار و الإنصات و تبادل أوجه النظر ... إلخ.
إن النظرة التقليدية للأسرة و لمهامها ووظائفها ،تقدمها
على أنها هي الناظمة لمشروع التربية و الحاملة لهاجس مستقبل الأبناء و المقررة في
هذا المجال، لكن لدينا الآن إغناء علمي يؤكد أن الطفل عندما يصل إلى مرحلة
المراهقة فإن أهم ما يميز شخصيته و سيكولوجيته هو الأفق الذي يتموقع داخله ،إذ
يصبح إنسانا طموحا يريد إثبات ذاته عبر طموحاته و رغباته و مشروعه المفضل، و ليس
فقط متلقيا لمشاريع الآخرين. وهذا يعني أنه يمكننا النظر إلى الأسرة نظرة
ديناميكية على أسس وجود عدة مشاريع للحياة قابلة للتحاور و التفاوض و التعاقد:
مشروع الأسرة بمفهومه التقليدي و مشروع المراهق باعتبار هذا الأخير كائن اجتماعي –
مشاريعي الحوافز و الشخصية، له أفقه و نظرته للمستقبل. فمتى يطرح المشكل داخل
الأسرة ؟
يطرح عندما تكون هناك مفارقة و
تعارض حاد بين مشروعين، فالآباء يريدون لأبنائهم في سن المراهقة أن ينهجوا سبيلا
معينا في الحياة على مستوى التكوين و التأهيل و الأفاق المستقبلية، و نوعية
الروابط و العلاقات الاجتماعية و الشخصية،و يصطدمون بأن لدى أبنائهم المراهقين
مشاريعهم الخاصة بهم.
س: ألا ترى أستاذ عمران أن التفكك عرى الأسرة
التقليدية في امتدادها العائلي و ظهور الأسرة النووية... ألا ترى أن هذا التفكك
الذي لم يحسم بعد على مستوى التصورات هو الذي يفرز هذا الصراع داخل الأسرة
المغربية ؟
ج: إنني
أرى أن المشكل يكمن في المنظومة الأسرية التقليدية و مرجعتيها التاريخية
البطريكالية التي إنبنت على أحادية المشروع التربوي الأسري كمقرر وحيد في كل شيء،
وذلك بتنشئة الطفل داخل الأسرة و المجتمع وفق معايير تقليدية و معادلة إعادة
الإنتاج. أما الآن فنحن أمام منظومتين على الأقل, منظومة الأسرة و منظومة الطفل أو
المراهق (ة) ككائن فاعل يبلور و ينتج أفقه الخاصة به. و معنى هذا أننا مطالبون كآباء
أن ندرك و نعي بأن أبنائنا في سن معينة يصبحون فاعلين متميزين لهم طموحات و مواقف
و أفق تلتقي و تتباعد عن معاييرنا التربوية كآباء وعن أفقنا الفكري و مشاريعنا
المفضلة. وهنا تأتي أهمية الدراسات الحديثة في علم النفس و علم الاجتماع بالأخص و
دراسات العلوم الإنسانية بشكل عام، و التي تبين لنا حتى الكيفية التي يجب أن
نتعامل بها مع مرجعية الأسرة و مرجعية الطفل و المراهق، و تشرح الطريقة التي يجدر
بنا اعتمادها لإزالة مصادر المواجهة بين المرجعيتين، وذلك على أساس ثقافة وكفاءة التواصل و الحوار و الإنصات و التعاقد، التي
ستساعد على إعادة التماسك للأواصر الأسرية و الاجتماعية بشكل عام.
فالتواصل داخل أسرنا ولحد الآن يتم
غالبا بطريقة هرمية و سلطوية ، بمعنى أن الأب هو الذي يعطي الأوامر و التوجيهات إلى
باقي أفراد الأسرة، و بناءا على ما سبق ذكره يبقى من الأهمية بمكان الحد من هذه
البنية الهرمية السلطوية الأحادية القرار لإحداث ثقافة تواصل و تفاعل حقيقية بين
جميع أفراد الأسرة، ومن شأن ذلك أن يدعم مشاعر الدفء و الحميمية التي تتميز بها الأسرة
و ديناميكيتها المرجعية . إننا حينما نصف منظومة الأسرة المغربية بالتقليدية فمعنى
ذلك الإشارة إلى الجوانب السلبية في تلك البنية التقليدية كالهرمية المفرطة و
الأسلوب التربوي السلطوي أحادية القرار و غياب ثقافة وكفاءة التواصل و الحوار و
الإنصات المتبادل.
تلك الجوانب التي تجعل اليوم المواجهات و العلاقات
الصراعية هي السائدة بدلا من علاقات التواصل الودي و التفاعل و التناغم.
إن التوعية الأسرية يجب أن تصب في هذا الاتجاه
أي تحسيس الآباء بأن الأفضل هو اعتماد علاقة تفاعلية تواصلية- إنصاتية متبادلة ،يساهم
فيها بالآراء جميع أفراد الأسرة على أساس الحوار و التعاقد، وليس العلاقة السلطوية
التنازلية التي تهبط فيها الأوامر من فوق إلى تحت. يجب علينا أن ننظر إلى مواقف
إبداء الرأي و الاختلاف لدى الأبناء من منظور مغاير، أن ننظر إليها ليس باعتبارها
دعوة للمواجهة والصراع بل باعتبارها تعبر عن مشروع وطموح و رغبة في إثبات الذات
بمعادلة < أنا موجود > و أريد أن يتم الإنصات إلي بتقدير و احترام. وهذا
يقتضي تغيير أسلوب التعامل داخل الأسرة المغربية، أي أن ننتقل من التواصل الهرمي
المغلق إلى التواصل المفتوح و الودي المبني على الحوار و الإنصات المتبادل و
التفاهم و التآزر . فحينذاك لن تبقى المشكلة مشكلة صراع و تفكك كما ذكرت في سؤالك،
بل قضية تكامل ضمن مرجعية و مشروع أسري مشترك واضح المرجعيات و الأهداف و القيم و
الممارسات والتعاقدات . كما أرى أن الديناميكية الاجتماعية التي تعرفها الأسرة
المغربية حاليا هي ديناميكية إيجابية و يبقى علينا كآباء أن نجد الأسلوب التواصلي
الملائم الذي يجعل أبنائنا لا يشعرون بالقطيعة و الغربة والانفصام داخل أسرهم، و
أظن أننا إذا عالجنا مشاكلنا الأسرية وفق هذا المنظور النفسي الاجتماعي الأسري ،
فسنوفر علينا متاعب كثيرة تربوية تلقي بأبنائنا في مهاوي الانحراف و المخدرات
والانطوائية والمعاناة النفسية.
س: هذا يجرنا للحديث عما إذا كنا
نحمل مشروعا مجتمعيا في المغرب للإجابة عن مثل هذه الإشكالية التربوية ؟
ج: من وجهة
نظري ،فإن الطريقة التي مازلنا نتعامل بها معرفيا و تحليليا في فهم التغيرات داخل
الأسرة المغربية من تفكك و انحراف و غياب مشاعر الدفء و الصراع، أظن أن هذه الطريقة
في الفهم تظل قاصرة، و أعتقد أنه حتى على مستوى التوجه الرسمي الآن، فإنه ليس هناك
أجرأة فعلية للمنظور الشمولي ولثقافة التواصل ولثقافة المشروع كنواظم أساسية لجودة الحياة الأسرية. طيب، يتم
الحديث في الخطاب الرسمي عن ثقافة التواصل و المشروع المجتمعي لكن بأية ثقافة
مرجعية ؟ و بأي تواصل؟ وبأي مشروع مجتمعي؟. إن ما نلاحظه مع الأسف على المستوى
التربوي و الإعلامي في بلادنا ،هو أننا لم نبلور بعد هذه الثقافة في حياتنا
اليومية وكفاءاتها النفسية الاجتماعية ، وهذا المشروع المجتمعي في برامجنا و
منجزاتنا المؤسساتية .وأعطي هنا أمثلة ببرامج التلفزة والصحف الوطنية والمؤسسات
التربوية والبرامج والمنجزات التنموية...الخ،إن السائد لدينا هو منظور الأزمة
والإكراهات والمفارقات والصراع والمواجهة ،وبالتالي طغيان المفهوم التدبيري الآني
وليس الشمولي والعميق وفق مشروع مجتمعي مرجعي واضح الأفق والأهداف والقيم والممارسات
والمنجزات.
س:لننتقل أستاذ عمران إلى موضوع
التعليم...، هل يعكس مفهوم التعليم في بلادنا هاجس المشروع التربوي بمعناه
الحضاري؟
ج :في
البداية علينا أن نستحضر أن المشروع التعليمي هو مشروع مجتمعي معرفي وحضاري وثقافي
وتنموي،ثم مشروع تأهيلي اندماجي.وما يميز المشروع التعليمي هو استجابة لتطلعات
الإنسان ككائن معرفي مشاريعي_إبداعي،فوظيفة التعليم هي التعلم الفاعل والتكوين
الديناميكي لتأهيل ذلك الإنسان ذي الكفاءات الإبتكارية ،القادر على تحصيل المعرفة
في أحدث وأعلى مستوياتها، وله شخصية إرادية مشاريعية تجعله يتحكم وينتج مجموعة من
المعلومات والمعارف ويتمكن من التخطيط والتوقع والتحليل والبرمجة،والمصقول فكريا
وتواصليا على التفاعل والاندماج الاجتماعي الواعي والمسؤول؛وهذا ما يضفي على
التعليم صفة المشروع المجتمعي والحضاري.
وللتعليم أيضا وظيفة مؤسساتية
تحفيزية تأهيلية واستشرافية،بمعنى أن دوره لا يقتصر فحسب على تعليم الطفل بل تحفزه
وتصقل قدراته التواصلية والاجتماعية والإبداعية،بكيفية ديناميكية وملائمة لنمو
شخصيته الإرادية ولآليات التنظيم والتدبير الذاتي لديه،ومتطلبات الحياة المجتمعية
المدنية والمهنية والتنموية والحضارية.
س:أي أن ينتج ولا يستهلك فحسب....؟
ج: نعم؛إن الدراسات النفسية
والاجتماعية المعاصرة تبين أن المشاريع التعليم تتمحور اليوم أكثر فأكثر حول شخصية
الطفل في شموليتها وليس فقط من زاويتها
الكفاياتية بل أيضا من الناحية الدينامكية
الوجدانية والمشاريعية والتواصلية الإبداعية.
س:( أقاطعه) هل يعكس تعليمنا هذه
المطامح؟
ج:لكي يستجيب تعليمنا لهذه الطموحات
يجب أن نبتعد قبل كل شيء عن بعض المسلمات الراسخة مؤسساتيا وثقافيا وتربويا.لنأخذ
التنشئة الاجتماعية كمثال،
إنها مسلمة لم تعد تساير ما نعرفه
اليوم علميا عن الطفل ككائن تواصلي له نزعة تلقائية للمبادرة والإبداع.فالطفل يولد
إنسانا فاعلا بعدة كفاءات واستعدادات ويحتاج فقط لمعارف وتفاعلات وممارسات أسرية ومجتمعية
مناسبة تؤهله وتحفزه للتفاعل بدينامكية ذاتية وتبادلية مع واقعه، والمؤسسة
التربوية تكون مهمتها الأساسية هي العمل على توفير الظروف والمناخ والمقررات
والمناهج التي ترفع وتغني هذه الكفاءات والقدرات والملكات التي يولد بها الطفل..
إن معدل ذلك هو أن تترجم برامجنا التعليمية منظورا ومشروعا تربويا مغايرا وحداثيا للطفل،يتلاءم
ومستجدات المعرفة والاكتشافات العلمية حول الطفل والطفولة بشكل عام .إن الطفل لا
يأتي إلى المدرسة ليتعلم فحسب بل لينتج ويتفاعل ويبادل ويتواصل ويبدع...، إن تغيير
هذه المعادلة التعليمية سيدفعنا إلى تغيير برامجنا وأسلوب تربيتنا ومناهجنا
التعليمية لنتعامل مع ذلك الطفل المواطن القادر على الفهم والاستيعاب والتخطيط
وأخذ الكلمة والحوار والإقناع والجدال واتخاذ القرار والمشاركة والمبادرة والإبداع.وهذه
خاصيات تؤكدها الآن المعرفة العلمية المتخصصة الخاصة بالطفل ومرحلة الطفولة .
نحن إذن مطالبون بإعادة النظر في مقرراتنا
التعليمية ومناهجنا التربوية ومؤسساتنا التعليمية ، لنجعلها في خدمة الطفل وليس
العكس،أي الابتعاد عن إجبار الطفل على التوافق والاندماج مع مناهجنا ومعلوماتنا وخططنا وبرامجنا
التنشئوية-التلقينية والتي نجبره على الخضوع لها...وأظن أنه وللإجابة على سؤالك بشكل أوضح،فإنه بدل أن
نقول:هل نستجيب لهذه الطموحات، نطرح السؤال بالصيغة المغايرة التالية، كيف يمكن أن
نستجيب لهده الطموحات برؤية تربوية واضحة ،وبحكامة مشاريعية وتدبيرية حداثية وبمناهج وممارسات تعليمية محفزة
وملائمة لشخصية الطفل ولملكاته وقدراته وإيقاعاته وفاعليته وتفاعلاته؟
س:هذا يجرني إلى تساؤل آخر فالمعرف
عنك أستاذ عمران أنك صاحب أفكار طموحة حول إصلاح التعليم المغربي ضمنتها كتابين
الأول بالغة الفرنسية حول التعليم بصفة عامة والثاني حول إصلاح التعليم الجماعي ما
هي الخطوط العريضة لمنظورك الإصلاحي هذا؟
ج: لدي مسلمة أساسية بخصوص التعليم
في بلادنا مفادها أن إشكالية التعليم لدينا لا يمكن أن تعالج من منظور وظيفي
تعليمي صرف، بمعنى أن إصلاح التعليم لا يهم فقط التأهيل والتكوين، بل يرتبط أولا
بالمشروع المجتمعي..فما هو مشروعنا المجتمعي في التعليم؟
إن الإجابة على هذا السؤال الكبير
ضرورة حتمية، لمعرفة ضمن أي منظور مجتمعي شامل تندرج المؤسسة التعليمية في المغرب
لتعكس لنا المشروع المجتمعي المنشود؟،إننا درجنا على القول بأن مشروعنا التعليمي
هو مشروع المجتمع الديمقراطي.وضمن هذا المنظور المجتمعي لا بد من طرح أسئلة جوهرية
إصلاحية أساسية عن المسار التربوي الذي سيندرج فيه أطفالنا وفتياتنا وشبابنا
تعليميا وتكوينيا ومؤسساتيا؟، وعن البرامج التي ستواكب هذا المنظور و هذه الصيرورة
التعليمية ؟ و عن مواصفات الجامعات التي سيتخرج منها طلبتنا؟ و عن القطاعات
التشغيلية التي سيندمجون فيها ؟... بدلا من حصر الإشكالية في هذا المنظور الوظيفي
التدبيري و التأهيلي التشغيلي، الذي يجعل التعليم منفصلا عن المشروع المجتمعي
الديمقراطي وتنميته الشاملة.أظن أنه لم يعد لنا الحق الآن في المغرب، ونحن على
أبواب الألفية الثالثة أن نتحدث عن التعليم انطلاقا من الهاجس التدبيري الآني التأهيلي
المهني والاندماجي التشغيلي، المنفصل عن المشروع المجتمعي الديمقراطي.فإذا كان
مشروعنا المرجعي هو مشروع المجتمع الديمقراطي،فما هي الأسس التي ينبغي أن يندرج
داخله تعليمنا في المغرب من الابتدائي إلى العالي وفقا لهذا المشروع المجتمعي؟
تصوري للأمور وبنوع من التبسيط،
ينطلق من منظور أساسي، وهو أن المجتمع الديمقراطي هو مجتمع المساواة والعدالة
الاجتماعية والمواطنة وتكافؤ الفرص والتقليل والحد من الفوارق القائمة معرفيا
وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وترابيا.
فإذا كانت هذه أسس المجتمع
الديمقراطي، فكيف يمكن للمؤسسة التعليمية والبرامج التعليمية أن تساهم – باعتبارها
القنطرة الأساسية للانتقال من مجتمع الفوارق المعرفية والتفافية والاجتماعية
والاقتصادية والترابية إلى مجتمع العدالة وتكافؤ الفرص – في إنتاج قيم الديمقراطية
والاستقرار الاجتماعي والسياسي والرفاه الاقتصادي والمعرفي؟. لبلوغ ذلك، أرى أنه
من الضروري العمل على دمقرطة المؤسسة التعليمية وجعلها في متناول كل أطفالنا، كيف
ما كانت مرجعياتهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والترابية. ودمقرطة المؤسسة
التعليمية يعني كذلك، أن نوفر ما يكفي من المؤسسات والحجرات والبرامج والموارد
المادية والبشرية، لنجعل الفئات الاجتماعية الأكثر تضررا في مجتمعنا المغربي هي
الأكثر اندماجا في المؤسسة التعليمية وتمكينها بيداغوجيا، من خلال كفاءاتها
وطموحاتها ومشاريعها، من أن تندرج في المسار التعليمي وأن تصل إلى أعلى مستوياته،
وبالتالي إلى أعلى مستوياته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية،وذلك لتذويب الفوارق
التي دأبنا على إنتاجها وإعادة إنتاجها لحد الآن...
إن كل منظور وإصلاح للتعليم يغفل
هذه الأسس التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي، سيراوح بنا على البقاء أمام نفس
الإشكالية، التي لا نعرف كيف نخرج منها لحد الآن.وهذا يعني أن كل المشاريع التي
تناقش الآن حول إصلاح التعليم لن يكون لها نتائج إجرائية تغييرية وتنموية
ديمقراطية، بل أنها ستعيد نفس اسطوانة المشاكل والفوارق الموجودة حاليا بطريقة
مغايرة، ولن تؤثر بكيفية بنيوية في صيرورة المجتمع الديمقراطي الذي نريده.
و هذا يعني أنه علينا، أن نحشد كل
إمكانيات الدولة سواء على مستوى التمويل أو البنية التحتية أو الموارد البشرية، لنعطي الأهمية لتلك الجهات والشرائح الاجتماعية
التي نقول عنها بأنها مهمشة حيث يصل أطفالها بالكاد إلى المرحلة الأخيرة من
التعليم الأساسي كما تبين ذلك الإحصاءات الرسمية .
إننا مطالبون بأن نجعل من المؤسسة
التعليمية القاطرة التي تقود التغيير نحو المجتمع الديمقراطي، أي مجتمع التوازنات
والاندماج والرفاه الاجتماعي والاقتصادي، الذي يستفيد فيه ومنه جميع أبناء هذا
الوطن.
باختصار،
فإنه بدون مؤسسة تعليمية مندمجة داخل المشروع المجتمعي الديمقراطي لن يمكننا أن
نخرج من إشكالية التعليم برمتها، ولا يمكننا في نظري، أن نؤسس بتخطيط وحكامة
لدعامات مشروعنا المجتمعي الديمقراطي.
س: ألا
ترى أستاذ عمران أن هاجس التشغيل ملح الآن بالنظر إلى ضغط الطلب على العمل من
خريجي التعليم بمختلف أسلاكه، ومن ثم يتعذر التفكير بهذا الشمول في مجال التعليم ؟
ج: في تصوري ينطوي هذا الطرح على نوع من
المغالطة على عدة مستويات، المستوى الأول هو أن تعليمنا منذ بداية السبعينيات إلى
الآن، كان هاجسه الأساسي يرتكز على ثقافة تدبيرية، أي الثقافة البيروقراطية
الوظيفية، حيث كانت الدولة تعمل وتهتم أساسا بتخرج الأطر حسب حاجتها إلى مغربة
الأطر وإنتاج موظفين يديرون العجلة الإرادية التدبيرية للدولة. وأظن أن انعكاسات
هذه الثقافة أو هذا المنظور، هو الذي أدى بنا إلى وضعية نتأسف عليها جميعنا الآن
وهي وضعية بطالة الخريجين الجامعيين. ثم إن تضخم نسبة هذه العطالة هي أيضا وليدة
قرارات سياسية كان ينقصها نوع من الإستراتيجية الشمولية والقدرة على الاستشراف، و
هنا علينا ألا ننسى أن تضخم بطالة الخريجين الجامعيين على هذا النحو الذي عرفناه
في العقدين الأخيرين، هو نتيجة لانصياع الدولة لقرارات تدبيرية أملتها المؤسسات
المالية الدولية (البنك الدولي). أي أن ما نعيشه الآن على هذا المستوى من تضخم
نسبة بطالة حاملي الشواهد الجامعية،هو إفراز لغياب بعد الرؤية في التدابير المتخذة
في حقل التعليم، أضف إلى ذلك القرارات الارتجالية للدولة التي كانت لها انعكاسات وخيمة
أذكر منها على سبيل المثال قرار حذف الخدمة المدنية دون التخطيط ودون والعمل على إيجاد
بديل لها أكثر نجاعة وإدماجا للخريجين الجامعيين داخل سوق العمل.
إذا ترى معي أن ربط التعليم بسوق
الشغل فيه الكثير من المغالطة، بل فيه المراهنة بمستقبل أبنائنا. فإذا كنا نقول
الآن أننا بصدد الاندماج في مجتمع العولمة و مجتمع التكنولوجي و مجتمع
المعرفة والبحث العلمي، فمعنى ذلك أنه على بلادنا أن تتوفر وبوفرة على أعلى
المستويات التعليمية، و أن تتوفر في نهاية المطاف على أكبر عدد ممكن من الموارد
البشرية ذات التكوين والتأهيل الجامعي العالي ذات الشواهد العليا والكفاءات الإبداعية.
وهو ما يقتضي تحفيز وتشجيع أبنائنا وبناتنا، خلال مختلف أسلاك التعليم، ليصلوا إلى
ذروة التحصيل والتخصص الجامعي، ليصبحوا قادرين على إنتاج المعرفة والإبداع ،و من
المشاركة كمجتمع مبادر ومنتج ومبدع في زمن العولمة.
أما على
مستوى الثاني، فعلينا أن نتسائل عن، ما هي مهام الجامعة المغربية جوهرا و أساسا و
قيما ؟ من وجهة نظري، الجامعة هي أساسا مؤسسة لإنتاج الفكر والمعرفة العلمية،
ومؤسسة لتأهيل الموارد البشرية في أعلى مستوياتها ومؤسسة لنشر قيم المجتمع
الديمقراطي الحضاري. فإذا تعاملنا مع الجامعة فقط من خلال رهانات التشغيل فحسب
فإننا سنحولها _ كما قلت مرارا وتكرارا_ إلى مؤسسة تكوين مهني من المستوى الممتاز.
كما أننا سنغرقها وسنحاصرها بهاجس التكوين والتشغيل فقط، مع العلم أن المقاولة
المغربية كما هي الآن ليست مؤهلة للقيام بوظيفة إدماج الجامعة ومواردها البشرية
داخل قطاع الإنتاج. من هنا فإن إقحام التعليم الجامعي داخل إكراهات معادلة التشغيل
فيه كثير من الطموح مجتمعيا لكن أخشى أن يأتي لنا بكثير من الاحباطات. فالمؤسسة
الجامعية ليست وظيفتها الأساسية والوحيدة هي تكوين الكفاءات التي ستندمج داخل قطاع
التشغيل حسب حاجيات المقاولات فحسب، بل إن من وظائفها الأساسية كذلك تحديث ودمقرطة
المجتمع وإنتاج البحث العلمي ومراكمة التنظير ونشر المعرفة وتعميمها ودمقراطتها
مجتمعيا .
س: نحن نعيش في المغرب أزمة تحديث
مجتمعي ومؤسساتي : فالسؤال المطروح علينا بإلحاح داخل
كل تشكيلاتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية، هل نأخذ بالتحديث
بكامله أو بجزء منه ؟ هل تتفق مع هذا الطرح أستاذ عمران؟
ج : عوض كلمة حداثة أو تحديث أفضل مصطلح
الديمقراطية لأنني أعتبره أفضل تعبيرا عن ...
س: (أقاطعه) لكن الديمقراطية قيمة
تحديث وحداثة؟
ج: بطبيعة الحال، لكن مفهوم
الديمقراطية يعبر عن مشروع مجتمعي متكامل من الأسرة إلى المدرسة إلى المقاولة إلى
المؤسسة السياسية إلى المجتمع المدني. إنه مفهوم شمولي سواء على المستوى المجتمعي
أو في آلياته التنظيمية للقناعات والممارسات وللعلاقات والمشاريع. إنه مفهوم يعبر
بمصداقيته وإجرائية عن هذه التحولات التي نعيشها الآن في بلادنا.
واسمح لي
أن أفصل هنا أكثر، فنحن حينما نقول بضرورة الانتقال من الأسرة الهرمية السلطوية
البطريكالية الثقافة إلى أسرة التواصل والإنصات والحوار والمحبة والعلاقات الودية،
فإنه انتقال من ديناميكية هرمية سلطوية إلى أخرى تفاعلية تشاركية ديمقراطية، ونحن
نعلم أنه عندما تكون لدينا أسرة متميزة بغزارة التواصل وجودته ووجود الحوار بين الآباء
والأبناء وانتفاء آليات الصراع والانغلاق والمواجهة، وتوفر مناخ الحوار والإنصات
والإقناع والتفاوض والتعاقد، فإن ذلك معناه سيادة قيم وممارسات ديمقراطية داخل الأسرة
المغربية. لذلك أقول بأن مشروع الأسرة الديمقراطية هو أفضل نموذج لنعيد من جديد
للأسرة المغربية تماسكها وقيمها الإنسانية وانسجامها الداخلي.
إن الكثير من الأسر المغربية بالرغم
من الإمكانيات المادية التي تتوفر عليها، تفتقد إلى الدفء والتواصل وحميمية
العلاقات وجودتها، وإلى ثقافة وبيداغوجية الحوار والإنصات المتبادل، ومن هنا يمكن
أن نفهم حدة الصراعات والمعاناة التي تعاني منها العديد من الأسر المغربية حاليا .
وإذا
انتقلنا إلى المؤسسة التعليمية فإن أهم نموذج نحتاجه لإصلاحها هو نموذج المؤسسة
التعليمية الديمقراطية المواطنة، أي التي تهتم بالطفل كمواطن فاعل وتحفز كفاءاته
على المستوى المعرفي والتواصلي والتفاعلي والتعاوني، وتجعل منه ذلك الكائن
الاجتماعي الإرادي المتميز بالقدرة على التفكير والإبداع والتخطيط والحوار والنقاش
والحجاج. ونحن نعلم علميا وتربويا بأن هذا هو أحسن منهج تربوي بيداغوجي لجعل الطفل
ذلك المواطن الذي يتمتع ليس فقط بحقوقه القانونية بل والنفسية والاجتماعية، أفلا
ترون معي إذن بأن أحسن نموذج للمؤسسة التعليمية في بلادنا هي المؤسسة الديمقراطية
المواطنة المهتمة بالطفل والمتفاعلة بديناميكية وتبادل وقرب مع وسطها الاجتماعي
والثقافي والاقتصادي
.
وعندما ننتقل
إلى المقاولة، فإنه من المعلوم أن الخطاب الاقتصادي ضارب اليوم أطنابه حول الجودة
الشاملة وتأهيل المقاولة المواطنة والتي ترتكز أساسا على الاستثمار في الموارد
البشرية على جميع المستويات، أي مستويات التدبير والتواصل وتحسين المرودية
والمشاركة. وبأنه و للرفع من إنتاج المقاولة المعاصرة يتحتم الرفع من حافزية
ومعنويات العنصر البشري ومكوناته وكفاءاته، والتركيز على أسلوب التدبير التشاركي
المحفز لكفاءات ومعنويات العامل داخل المقاولة. ونحن نعلم على مستوى الدراسات
المتخصصة، أن مثل هذه الثقافة المقاولاتية الديمقراطية القيادة والتدبير، تقلل من
مصادر الصراع وحوادث العمل وتقلص من مشاعر عدم الرضى، وترفع من معنويات العاملين .
وأتصور أن هدف المقاولة المغربية حاليا هو الرفع من الإنتاجية والجودة لتحقيق
تنافسية أفضل، وهذا لن يتحقق دون مناخ ديمقراطي مؤسساتي وتدبيري قائم على التواصل
والحوار والإشراك.
ألا ترون معي أننا بانتقالنا
مجتمعيا بالأسرة وبالمؤسسة التعليمية وبالمقاولة إلى مواصفات ونو اظم المشروع
الديمقراطي سنؤسس للمجتمع الديمقراطي الذي هو أحسن رهان لربح معركة التحديث
والحداثة والتنمية الشاملة ؟ وحينذاك سنمر بسهولة إلى المؤسسة السياسية
الديمقراطية التي تعكس مشروعنا المجتمعي في أبعاده الشمولية .
س: أستاذ عمران أود أن أعرف أهم
الظواهر الاجتماعية السلبية التي تثير اهتمامك في مجتمعنا الذي يعيش بعيدا عن
مطامح الايجابية التي ذكرتها ؟
ج: لكي أجيبك على هذا السؤال، يقتضي الأمر مني
العودة إلى مرجعية تخصصي الأكاديمي، فبطبيعة الحال عندما تحدثت قبل قليل عن مكونات
المجتمع الديمقراطي الذي نطمح إليه، فإنني كنت أستحضر دراسات مهمة في علم النفس
الاجتماعي أجريت منذ أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، و التي أوضحت بأن
الأساليب المرجعية والتنظيمية في التسيير هي : الديمقراطية والسلطوية واللامعيارية.
إن من أهم الإشكالات التي عالجها علم النفس الاجتماعي مثلا مع ''كورت ليفن'' ومع
مدرسة شيكاغو في أمريكا وكذلك في أوربا هي : ما هي المقومات الثقافية التدبيرية
التي يجدر إتباعها في كل المؤسسات التربوية والمجتمعية والاقتصادية... إلخ ; وكيف
تنعكس ثقافتها وقيمها وأساليبها على مستوى العلاقات والمعاملات والمرد ودية ؟
إن الإشكالات التي نعالجها نحن في المغرب، هي
كيف نخرج من الثقافة السلطوية إلى الثقافة الديمقراطية ؟ تعتبر هذه الإشكالية
أساسية في علم النفس الاجتماعي وقد تم التطرق إليها نظريا ومنهجيا ومؤسساتيا. ألا
تلاحظون معي أنه عندما نقول بأننا نعيش في مرحلة انتقالية لا نطرح السؤال على
النحو المنهجي التالي : ستنتقل من أين إلى أين؟
إنني أرى بأن الأجدر هو أن نقصد بالانتقال، الانتقال على المستوى الأسري
مثلا من الأسرة ذات العلاقات والأدوار الهرمية والسلطوية التنازلية إلى العلاقات
الديمقراطية القائمة على ثقافة وبيداغوجية المشروع الأسري والتواصل والحوار
والتفاوض، باعتبار ذلك أهم ضمانة لمواجهة تحديات العالم الخارجي وغزو ثقافاته التي
تقصف الآن الأسرة المغربية على مستوى وسائل الإعلام والاتصال ... الخ. ثم
إننا نقول بأهمية وضرورة تغيير العقليات والسلوكات ،ونحن نعلم أنه في علم النفس
الاجتماعي أن من أهم الظواهر التي تمت دراستها علميا ؛ كيف يمكن أن نتدخل إيجابيا
على قناعاتنا ومواقفنا وسلوكاتنا لتغييرها نحو الأحسن؟ لنأخذ مثلا الحرب العالمية
الثانية التي طرحت مشكل التمويل بالنسبة للولايات المتحدة عندما قررت الانخراط في
الحرب العالمية الثانية، حيث جرى البحث عن كيفية تغيير عقلية الأمريكيين على مستوى
الأسر لتحفيزها على المساهمة طواعية في تموين الحرب . وقد بينت دراسات علم النفس
الاجتماعي منذ ذلك الوقت وإلى الآن، أن القيم والسلوكات المترسخة في مجتمع ما لا
يكفيها الأسلوب الإعلامي والتحسيسي فقط لتتغير، وبإن أهم أسلوب يجدر اتباعه هنا هو
الأسلوب التشاركي، الذي يجعل من المواطن داخل الأسرة أو المقاولة أو المؤسسة
التعليمية يساهم في مشروع ما وفي القضايا المطروحة والشاغلة عن طريق الحوار وإبداء
الرأي والمواجهة المعرفية والاقتراحية ،والمشاركة في اتخاذ القرار والتعاقد
الجماعي.
سِؤال: أي جعله معنيا بقضايا الشأن العام ؟
ج: نعم، إنه أفضل أسلوب يمكن
ويشجع على تبادل الأفكار والآراء والاختلاف والإقناع والاقتناع، وبعد ذلك يقوم
المشاركون في هذا الفضاء التحاوري التشاركي، باتخاذ القرارات التي تراها ملامة ضمن
الديناميكية الاجتماعية المتحاورة والمتعاقدة. إنه أفضل أسلوب أيضا لتغيير
القناعات والسلوكات التي تكون قد تحكمت فينا سابقا .
حوار:مصطفى
حيران
2015-2014
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟


