الشباب وظاهرة سيكولوجية ” الحريك ”
. .
– الأستاذ عبد الرحيم عمران -
س: إذا
كانت البطالة هي نفي وإلغاء لهوية الشباب، فهل الاغتراب الذاتي هو الذي يدفع
الشباب لركوب مغامرات قوارب الموت؟، وهل هو هروب سيكولوجي من الذات أم من الواقع
أم من الوطن؟.
ج: ركوب قوارب
الموت نسميها بالدارجة "الحريك". والحريك سلوكيا لدى الإنسان يعني
إدرامه للنار لإحراق شيء ما، برغبة إتلاف وإلغاء معالم هويته ووجوده. وعندما يمارس
على الذات فهو يحيلنا رمزيا وفعليا إلى سلوكات التدمير الذاتي وإتلاف معالم
الشخصية والهوية. وبالتالي فالحريك على المستوى الوجودي والمجالي والمجتمعي، هو
إلغاء لهوية ولمشاعر الارتباط والتعلق الدال وجدانيا ومجتمعيا وترابيا. ومن خلال
هذه التحديدات والمقاصد والنتائج، فسيكولوجية "الحريك" هنا تحيلنا إلى
ماذا؟، تحيلنا إلى نوع من العنف الرمزي والفعلي الممارس على الذات أولا وعلى
الروابط الجماعية والترابية كذلك لفك الارتباط، برغبة التخلص والانعتاق من سلبيات
ومعاناة وضعية ما أصبحت لا تطاق. أي أننا أمام سلوك اغترابي وانتحاري كذلك في كثير
من الأحيان المعبر عنه اصطلاحيا وأداتيا "بقوارب الموت"، والذي يمارس
على مستوى الهوية الفردية والهوية المشتركة الأسرية منها أو الترابية أو الوطنية،
وذلك برغبة الانعتاق والتحرر من قيود ومحاصرة ومعاناة وضعية غير مرغوب فيها ومصدر
معاناة واختناق سيكولوجي حاد، والتي داخلها يفقد الإنسان كل معاني ودلالات ورغبات
وأحلام "مشروع الحياة" الشخصي والمجتمعي. وهذه المشاعر والرغبات
والمواقف والسلوكات، تبقى في نظري من أصعب المؤشرات والدلالات السيكولوجية
لما نسميه بظاهرة الحريك وقوارب الموت. لماذا؟، لأنه وكما سبق وأن عرفنا سيكولوجيا
معالم وسمات شخصية الشباب، باعتباره كائن المشروع والحلم الجميل المدعمة بحافزية
الرغبة في إثبات الذات والامتداد داخل المستقبل الواعد، بالكثير من الرومانسية
والمثالية المجتمعية الإنسانية وجمالية الحياة، فإن كلمة "الحريك" وما
يرافقها من كلمات ومرادفات دالة مثل "قوارب الموت" وغيرها، تحيلنا إلى
نقيض هذه السيكولوجية الإيجابية المميزة والواصفة للشباب. فالحريك والموت هي مواصفات
وأوضاع منافية لمواصفات أسس ودعائم شخصية وهوية الشباب، باعتبارها نفي للحياة
والمستقبل الواعد ولسيكولوجية الارتباط والتعلق والانصهار والاندماج المجتمعي.
وهذه الظاهرة أو المعضلة المجتمعية في انتشارها وحدتها لدى الشباب المغربي، تجعلنا
ندرك بأننا أمام ظاهرة ووضعية مجتمعية صعبة وحرجة، على مستوى دعامات سيكولوجية
مشروع الحياة والرغبة والقدرة في إثبات الذات بفاعلية وإرادة ومبادرة، والقدرة على
الاستشراف والتوقع والتخطيط والإنجاز بمرجعية الاختيار والتدبير الذاتي على
المستوى التعليمي التأهيلي والاندماجي المهني؛ والتي تجعل العديد من الشباب، ذكورا
وإناثا، يفقدون دعامات وأواصر التعلق والارتباط بمرافق هويتهم الترابية والأسرية،
ودلالة ومعنى وجودهم وتواجدهم "هنا". أي الارتباط بدلالة طفولتهم
ومراهقتهم وأسرهم وحيهم وبلدهم، والرغبة الحادة في "الحريك" مهما كان
الثمن، أي في القطيعة مع كل هذا. إن مثل هذه المشاعر والمواقف والقناعات
والسلوكات، تضعنا أمام محددات وآليات سيكولوجية حرجة، يبقى من الصعب علينا الإقرار
بوجودها وباستصاغتها مجتمعيا وسياسيا، لماذا؟، لأنها مشاعر ومواقف وقرارات
واستراتيجيات الرغبة القوية في فك الارتباط والقطيعة مع أهم مكونات ودعامات
الهوية الوطنية، من جراء المعاناة وانسداد الأفق الواعد أمام مشروع الحياة المفضل،
والتي تحمل معها وتخلف وراءها باستمرار الكثير من المآسي والمعاناة الأسرية والشخصية
سنويا. ومن هنا فإن معضلة ظاهرة الحريك تحيلنا وتضعنا بالأساس أمام تناقضات
المجتمع المغربي ومعضلاته الكبرى من فقر وبطالة وفوارق اقتصادية واجتماعية
وترابية، ومن غياب تجدر قيم وثقافة المواطنة وتكافؤ الفرص؛ والتي تنعكس جميعها
سلبا على نسقية أفق وتطلعات مشاريع العديد من شبابنا وعلى دعائم شخصيتهم الإرادية،
وتجعلهم يعيشون مفارقة سيكولوجية دالة على مستوى مشاعر ومرافق الارتباط والتعلق
وبين محدودية إمكانيات إثبات الذات مهنيا ومجتمعيا، ليصبح "الحريك" هو
المشروع المفضل مهما كان الثمن ومهما كانت جسامة الخسارة الواردة ومأساوية القرار،
أي الموت الفعلي. وهو ما يعني كذلك أن دلالة الحياة الشخصية بأحلامها الجميلة وتطلعاتها
وبمشاريعها المفضلة وبروابطها، لم يعد لها أمكنة وفضاءات فعلية وهيامية ومستقبلية
للأجرأة والإنجاز لدى هؤلاء الشباب عبر أرض الوطن. ثم علينا أن لا نغيب في
مقاربتنا وتحليلنا السيكولوجي لهذه المعضلة ملامح أخرى من الحريك، والذي لا يمس
فقط الشبيبة غير المتعلمة أو الفقيرة أو المتمدرسة، وإنما يمس كذلك العديد من
الأطر المتوسطة والعليا ذات التأهيل الجيد والإنتاجية المتميزة، والتي تقوم بدورها
بالحريك في اتجاه العديد من الدول الصناعية المتقدمة، ليس عبر قوارب الموت ولكن
بطريقة قانونية بغية تحقيق مشروع حياتها المفضل وإثبات ذاتيتها وفاعليتها
ومبادراتها وابتكاراتها بكرامة واستحقاق واعتراف مهني، بعيدا عن احباطات ومضايقات
وبيروقراطية العقليات وأصحاب القرار السلطويين الثقافة والممارسة والتدبير.
إذن ترى معي كيف أن ظاهرة ومعضلة الحريك تضعنا أمام إشكالية
صعبة وأمام رهانات مشروعنا المجتمعي الديموقراطي الحداثي، كمشروع الأمل الواعد
ومشروع الهوية والمواطنة والحرية والإبداع والتجديد، ومشروع الرفاه الاقتصادي
والاجتماعي وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروات، والاستثمار الفعلي والكبير في
تأهيل شبيبتنا وتوفير أوراش ومجالات اندماجها المهني في ارتباطها بمشاريعها
وتطلعاتها وكفاءاتها ومبادراتها، مع العمل على وضع حد لهيمنة العقلية والثقافة
الإدارية البيروقراطية ولثقافة وممارسات مقاومة الريع...إلخ؛ والتي من شأنها
أن تفعل دينامية الأمل والثقة بالنفس ومشاريع الحياة لدى الشباب، التأهيلية منها
والاندماجية والإنتاجية والإبداعية والمدنية والسياسية؛ وأن تحصن لديهم مشاعر
الاعتزاز بالهوية المشتركة وبمرافق الارتباط والتعلق المؤسساتي والترابي والوطني؛
وأن تكرس على أرض الواقع المجتمعي قيم المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص والحرية والمشاركة
الفعلية في أوراش التنمية بمشاعر ومواقف المصير المشترك؛ والتي من شأنها أن تفعل
وتعزز لدى الشباب المغربي أسس ودعامات شخصيته وهويته السيكولوجية ككائن المشروع
والحلم الجميل والشخصية الإرادية. لأن ظاهرة ومشروع الحريك لدى الشباب المغربي
ماذا تقول لنا، ولو بهذه اللغة والمغامرة المأساوية؟، تقول لنا بأن المجتمع
المغربي بالنسبة لهؤلاء الشباب لم يعد مجتمع المشروع والحلم الجميل، وإمكانيات
إثبات الذات بكرامة وفاعلية وإرادة؛ وبالتالي لم يعد مجتمع التعلق والارتباط
بالنسبة إليهم بسبب غياب قيم وثقافة وممارسات العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص
والأفق الواعد مشاريعيا وإنجازيا، وقلة الأوراش التنموية المدمجة لهم ولمشاريع
حياتهم؛ وبأنهم وأمام هذه المشاعر والقناعات ومعاناتها يفضلون الحريك ولو بمعادلة
واحتمالية التعرض للموت. فالحريك سيكولوجيا هو إحراق للهوية، أي للهوية السلبية
والرغبة القوية في استبدالها بهوية أخرى مفضلة. وهذا ما نعاينه فعلا على مستوى
السلوكات، بحيث يقوم أغلب الشباب بتمزيق وحرق كل أوراق هويتهم العائلية والترابية
والوطنية قبل وأثناء العبور. إننا وأمام هذه المشاعر والمواقف والقناعات
والسلوكات، نكون فعلا أمام ظاهرة ومعضلة صعبة، والتي تبين لنا مدى الخصاص وحدة
الإحباط والمعاناة التي تشعر بها وتعاني منها شريحة دالة إحصائيا من شبابنا، والتي
عندما نستجوبها عبر أبحاث ميدانية أو عبر برامج تلفزية، نقف على مدى رغبتها القوية
وقناعتها الراسخة وإصرارها على الحريك. حتى لدى أولئك الذين يتم اعتقالهم وإرجاعهم
إلى أرض الوطن، كما شاهدنا ذلك مؤخرا على شاشة التلفزة. فهناك من صرح قائلا
"بأنني حركت لكنهم أرجعوني، لكنني سأكرر ذلك من جديد حتى ولو أدى بي الأمر
إلى الموت" ؛ "لا أريد مطلقا أن أبقى هنا، هنا ماكاين ما يندار"،
وسمعنا العديد من الشهادات التي كلها لها هذه القناعات والقرارات والممارسات.
س: قوارب
الموت أو الحريك هو إحراق للهوية وفك الارتباط بالوطن في غياب الأفق الواعد كما
قلتم، ماهي في نظركم الحلول الناجعة للحد من آثار هذه الظاهرة؟.
ج: كما قلت لك مرارا، الشباب سيكولوجيا هو كائن
المشروع والشخصية الإرادية الراغبة في إثبات ذاتها بفاعلية ومبادرة واستحقاق
وكرامة. ومعضلة الحريك بمواصفاتها السالفة الذكر، هي خطاب دال وقوي من طرف العديد
من الشباب المغربي يقول لنا من خلاله ومن خلال حدة وتكرارية واستمرارية مآسيه،
بأننا نحن الشباب بحاجة إلى مجتمع مغاير يستجيب لتطلعاتنا ولتطلعات مشاريعنا
ولهويتنا؛ مجتمع يوفر لنا فضاءات وأوراش الحلم الجميل والمستقبل الواعد، عبر
تأهيلنا وعبر كفاءاتنا ومواهبنا ومبادراتنا وفاعليتنا ومشاركتنا الفعلية؛ مجتمع
قادر على الحد من ظواهر الفقر والفوارق الاقتصادية والاجتماعية والترابية ومن
بطالة الشباب، وعلى الحد من مصادر وممارسات الإحباط والتيئيس
والتهميش لنا؛ مجتمع الديمقراطية والمواطنة والحرية وتكافؤ الفرص والرفاه
الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
فمعضلة ظاهرة الحريك هي معضلة مجتمعية سيكولوجية
مأساوية، تساءلنا وتحرجنا على عدة مستويات اقتصادية واجتماعية وتربوية وتأهيلية
وسياسية، وتتطلب منا إجابات وحلول جذرية لا يمكنها في نظري أن تجد طريقها الفعلي
إلى الإنجاز، إلا داخل رهانات ومنجزات مشروعنا المجتمعي الديمقراطي وأوراشه
التنموية الشاملة، أي من خلال تغيير جذري في الرؤية والمقاربة والاستراتيجية
والبرامج والمنجزات
حوار: إدريس شحتان
2004
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟


