ميثاق التغيير ورهانات التنمية الاجتماعية "من المقاربة الاقتصادوية إلى المقاربة النفسية الاجتماعية"






ميثاق التغيير ورهانات التنمية الاجتماعية
"من المقاربة الاقتصادوية إلى المقاربة النفسية الاجتماعية"
.                                                                      .

ذ. عبد الرحيم عمران
شعبة الفلسفة و علم الاجتماع وعلم النفس
كلية الآداب، ظهر المهراز – فاس

انطلاقا من "ميثاق التغيير" الذي بلوره برنامج حكومة التناوب ورهاناته الأساسية، تشكل التنمية الاجتماعية احدى أولوياته، والتضامن الاجتماعي إحدى اختياراته المنهجية، اعتبارا لما لحق هذا الحقل من إكراهات وإعاقات تنموية من ناحية، ولما يتبوؤه من مكانة متميزة داخل برامج حكومات اليسار الديمقراطية على الصعيد العالمي من ناحية أخرى، تماشيا مع الأولوية التي يحتلها العنصر البشري داخل مشروعها المجتمعي: من حقه في العيش الكريم وفي مشاركته واندماجه البناء داخل المجتمع.


ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستصغر ما يحتاجه هذا المجال الحيوي - من هذا المنظور المتميز - من تعبئة للطاقات البشرية والإمكانات المادية، ومن وضوح في الاختيارات على المستوى القطاعي، ومن مناخ الثقة على الصعيد المحلي والوطني، للرفع من وتيرة النمو والرفاه الاجتماعي، والحد من استفحال وتيرة الفوارق الاجتماعية القائمة حاليا. لكن كل هذه الاختيارات والأهداف تتطلب منهجية جديدة لتعزيز آليات التماسك الاجتماعي والتعبئة العامة عبر "عقد تضامني" بين مختلف الشركاء الاجتماعيين والحكومة، كما ورد ذلك واضحا في نص البرنامج الحكومي.

وكعادتنا في النقاش المنهجي البناء لبعض القضايا المجتمعية الحيوية التي نساهم في تحليلها  وذلك بهدف المشاركة – كباحث جامعي – في بلورة ثقافة ديمقراطية قوامها المعرفة التحليلية والبحث العلمي، فإننا سنعمل من خلال هذا المقال، على مناقشة إجرائية ونجاعة المنهجية التي تنوي الحكومة بلورتها في مجال التنمية الاجتماعية المستديمة، انطلاقا من نظرتها واستراتيجيتها الشمولية للتنمية القائمة على معادلة قوامها: تقوية تنافسية الاقتصاد الوطني بارتباط مع تقوية التضامن الاجتماعي، بكيفية مندمجة وشمولية.

إن هذه المعادلة رغم وضوحها وتوازن أطرافها المرجعية، تحمل في طياتها بعض الملابسات العائدة - في نظرنا - إلى شمولية الطرح القائل بالتجانس والتكامل الحاصل بين  آليات التنمية الاقتصادية وآليات التنمية الاجتماعية، أي بين تنافسية الاقتصاد وتلاحم المجتمع، بين استراتيجية تحفيز الاستثمار في المجال الاقتصادي واستراتيجية تحفيز مشاعر التضامن والتلاحم المجتمعي.

إن التفكير الأحادي يمكنه أن يأخذ عدة أشكال من التفكير والتحليل النمطي، ومن ّأهم ملامح التفكير الأحادي السائد حاليا بالمغرب لدى الكثير من المقررين والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين: التفكير والتحليل الاقتصادي بمختلف مشاربه ونزعاته. بحيث أصبح يشكل المرجعية الوحيدة حتى في مجالات وقطاعات: التواصل، والمعرفة، والتضامن، والتآزر والتهميش الاجتماعي، والأسرة، والطفولة، والإعاقة، والتعليم، والسكن ...إلخ، وهو ما من شأنه أن يكرس هيمنة مرجعية نسقية التفكير والتحليل الأحادي على الصعيد الوطني، تستمد شرعيتها من سيادة مجموعة من الطروحات والمسلمات المهيمنة داخل مجالات الاستثمار والتدبير المالي والاقتصادي على الصعيد العالمي.

إن تنوع مرجعيات التفكير والتحليل المتعددة التخصصات تبقى في نظرنا شرطا ضروريا، خاصة في المجالات المتعلقة بالديناميكية الاجتماعية والتضامن والتلاحم المجتمعي وقطاعات التنمية المجتمعية، وذلك حتى لا نترك المجال شاغرا على هذا المستوى لتيارات وفئات قد تجعل مستقبلا من ظواهر "الخصاص" الاجتماعي، والبعد اللا-اقتصادوي "an-economucus " للعنصر البشري، مرجعية لطموحاتها ومواقفها المتطرفة.

إن دعائم الثقة والشفافية والتآلف والتضامن الاجتماعي والتعبئة الإرادية، تختلف – في نظرنا – جوهريا عن دعائم التنافسية والمعرفة الخاصة والحيطة والتستر والبقاء للأقوى، واستراتيجيات تحصين حدود الفضاءات الحميمية الفردية والجماعية، ويبقى من الصعب جدا - إذا كنا نركن ولو نسبا لمصداقية الأبحاث النفسية الاجتماعية في هذا الباب - أن نسلم بأن آليات التضامن والتآزر الاجتماعية، الإرادية وبالتالي مواقف وسلوكات "التقارب" النفسي الاجتماعي بين الأفراد والجماعات والأجيال والأقاليم قد يتم تدعيمها وتحفيزها أساسا عن طريق آليات التحفيز والتدبير الاقتصادي وآليات التنافسية، بقدر ما يتم ذلك أساسا عن طريق مشاريع التلاحم ومواقف التضامن والتعاون وعبر أساليب التعبئة والمقاربة التشاركية.

إن "التعبئة والمقاربة التشاركية" في جدورها البشرية والثقافية تبقى "لا-اقتصادوية an-economucus ". وللتأكد من ذلك، يمكن العودة إلى الدراسات الأنثروبولوجية وإلى ركائز المذاهب الدينية، والاستئناس بمؤشرات وسلوكات الأفراد والجماعات خلال المواسم والمناسبات الاحتفالية والتضامنية، لنعاين عن كتب أن "الإنسان" فردا وجماعات ومجتمعات، يبقى في كثير من مكوناته وسلوكاته وخاصة "الاجتماعية – الحميمية" يعمل وفق آليات "العطاء" و "السخاء" و "التقاسم" و "التشارك" و " التعاون" و "الشهامة" "والتضحية""، المدعمة بمشاعر "المحبة" والألفة اتجاه الآخرين ومجالاتهم المرجعية، والتي من خلالها يسلك الإنسان ويعبر عن رغبة إرادية ومواقف تطوعية للتضامن والتآزر والتعبئة "اللا-منفعية"، تصل به أحيانا إلى التضحية- وكما يقال - بالغالي والنفيس.

إن هذا البعد والتوجه الإنساني "اللا-اقتصادوي" لا يلغي بأي حال من الأحوال البعد والتوجه الاقتصادي للإنسان، والذي عليه ركزت وتركز حاليا مختلف المقاربات الاقتصادية بالمغرب، ولكنه يجعلنا ندرك بأن إرادة التغيير إذا كانت تفترض تعبئة الجميع،  وبلورت عقد تضامني بين الشركاء الاجتماعيين والحكومة لتعزيز التماسك الاجتماعي عن طريق العمل الارادي للأفراد والجماعات. فإن هذه الأهداف والمقاصد لا يمكن أن تتبلور دعائمها  وحوافزها التلقائية مجتمعيا من خلال طروحات ومقومات "السوق" والرؤية الاقتصادوية  البحثة للإنسان والمجتمع، القائمة على التنافسية والمنفعة الشخصية والربح أولا والبقاء للأقوى...إلخ، على اعتبار أنها لا تكون الآليات المرجعية التي "تقرب" تلقائيا بين الأفراد والجماعات، وتزكي لديهم نزعة التشارك والتقاسم والتضامن الإرادي، والتي تبقى – وكما تبين الكثير من الدراسات النفسية – الاجتماعية في حاجة إلى الانتماء الجماعي والتلاحم المدعمة بمواقف الإخاء والتواصل الودي والتضامن والتعاون "الغير منفعية". وهو ما يمكن ترجمته على أرضية الواقع من خلال تحديد أهداف ومشاريع وأهداف وأوراش تشاركية تهدف من ناحية (1) إلى الحد من الأضرار والمعانات القائمة في المجالات الحيوية للمجتمع والتي تتطلب حماية جماعية وتضامن جماعي: كالأسرة والطفولة والتعليم والتشغيل والصحة والسكن ...إلخ، أي ما يعيد ويضمن "الكرامة" ويقوي مشاعر المحبة والتشارك عبر سلوكات ومواقف التعاون والتقاسم والسخاء، والتي تهدف كذلك ومن ناحية أخرى (2) إلى تقوية دعائم التدبير والتنظيم الذاتي للأفراد والجماعات ولمواردهم البشرية ومجالاتهم الحيوية وإمكاناتهم المادية.
إن تدعيم وتحفيز هذه المواقف والمشاعر الإنسانية داخل المجتمع المغربي، لا يعني اللجوء إلى أساليب العمل الخيري وتكريس مواقف الاتكالية، بقدر ما يعني "تضامنا تفعيليا" يهدف بالأساس إلى إعادة الكرامة والثقة بالنفس، من خلال تحرير هذه الفئات من ثقل الأوضاع التي تحول وتحد من فاعليتهم واندماجهم الإيجابي داخل مجتمع متضامن ومتماسك في قيمه ومواقفه وديناميكيته وثوابت مرجعياته الاجتماعية والثقافية.

إن الآمال العريضة التي نعلقها على حكومة التناوب الحالية، وعلى أهداف برامجها في قطاع التنمية الاجتماعية وقناعتنا بأهمية هذا القطاع الحيوي في التغلب على الكثير من الإكراهات والمعيقات التنموية، هي التي تجعلنا نركز – كباحثين في مجال علوم الإنسان – على أهمية تحفيز وتفعيل الموارد البشرية واستثمار كفاءاتها وإمكاناتها واستعداداتها داخل أوراش الإصلاحات القطاعية السالفة الذكر من خلال عقد تضامني قوامه التآزر والتضامن ومنهجيته "المقاربة التشاركية" الإرادية بمختلف مستوياتها الفردية والجماعية والمؤسساتية، والتي نستشف من خلالها بأن البعد "اللا-اقتصادوي" للإنسان داخل المجتمع يلعب الدور الأساسي والأرضية المرجعية لكل سلوك وتعبئة إرادية "لا منفعية".

إن إغفال هذا البعد "اللا-اقتصادوي" في مجالات واستراتيجيات التنمية الاجتماعية لمن شأنه أن يفرز لاحقا على مستوى الأوراش الاجتماعية القطاعية – وخاصة على المدى المتوسط والبعيد – مواقف المعاتبة والمآخذة ومشاعر الإحباط وتقلص الحافزية وعدم الثقة الفردية منها والجماعية والجهوية، بغض النظر عن الإرادة الحسنة للحكومة وحسن نية وزراءها في مجالات التنمية الاجتماعية وأسلوب تدبيرهم الديمقراطي.

إن فتح الأوراش التنموية داخل مجتمع مفتوح، وفق برنامج طموح ومتكامل شعاره "ميثاق التغيير" يفترض كذلك – في نطرنا – فتح أوراش الفكر والتفكير، والنقاش والحوار الديمقراطي لمواجهة سلبيات وحدود التفكير الأحادي مهما كانت نجاعته القطاعية، وبالتالي تطوير البحث العلمي في مجالات "التنمية الاجتماعية" وعلومها الإنسانية، باعتبارها ركيزة أساسية لتحفيز التنمية في هذه القطاعات، على أسس نتائج أبحاثها ودراساتها المتخصصة.

لقد كثر الحديث في هذه السنوات الخمس الأخيرة على أهمية العنصر البشري وموارده في مخططات التنمية الشاملة، وكذلك عن أهمية تعميق آليات التواصل والحوار، لتعميم ثقافة ديمقراطية جديدة داخل المجتمع المغربي، لكننا ننسى غالبا أن لهذه المجالات والأهداف تخصصات علمية يمكنها أن تعجل – بكيفية عقلانية – بتحريك وتيرة هذه التنمية والحد بالتالي من سلبيات البداهة والفطرة والقرارات العفوية في هذه المجالات، وذلك من خلال تدعيم وتحفيز المسؤولين الجدد لميادين البحث العلمي ومؤسساته المتخصصة في مجالات العلوم الإنسانية، خاصة في قطاعات تنمية وتفعيل الموارد البشرية والتغيير المجتمعي.

إننا ولربح رهانات التنمية الشاملة نبقى في حاجة إلى تصورات ومقاربات جديدة في مجالات التنمية الاجتماعية داخل مجتمع: المعرفة والتغيير والحداثة والتوجهات الديمقراطية. وما تنبيهنا إلى أهمية البعد "اللا-اقتصادوي" للإنسان في هذا المجال إلا مثالا جهويا للإشارة إلى أهمية البحوث والدراسات المتعددة التخصصات في مجالات العلوم الإنسانية، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أهمية هذا البعد النفسي الاجتماعي في مجال التنمية الشاملة داخل العالم القروي باعتباره الفضاء والدعامة الأولية لهذه التنمية المنشودة ورهاناتها الكبرى على الصعيد الوطني، وذلك لما تحتله آليات الانتماء الجماعي والتآزر والتعاون والتشارك والسخاء والتضحية ...إلخ، من أهمية متميزة في تحريك وتحفيز آليات التعبئة الإرادية والمواقف التشاركية لدى الأفراد والجماعات في العالم القروي، وفي إرساء مواقف التضامن الاجتماعي وتحريك مشاعر التآخي والالتحام وبالتالي تقليص مشاعر التباعد والتنافر ومرجعيات التمايز والاختلاف، والتي عليها تستند منهجية التعبئة الإرادية وأسس المقاربة التشاركية للأفراد والجماعات والمؤسسات داخل أي مجتمع كان.

مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس
العدد العام: 12-2001
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟

Aucun commentaire:

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران