·
ماذا يعني التعصب بالمعنى
النفسي الاجتماعي للكلمة؟
في البداية أريد أن أشير إلى أننا
مجتمعيا أمام مصطلح تداولي للحس العام، قبل أن نكون أمام مصطلح علمي-إجرائي ذي
محددات و مؤشرات و مواصفات دقيقة.بحيث نجد مصطلح التعصب يتم تداوله مجتمعيا و يتم
تصريفه بعدة دلالات و معاني، و بالنسبة للعديد من المواقف والسلوكات الفردية و
الجماعية. كما يتم تداوله مجتمعيا بطريقة قدحية و أحكام قيمة سلبية،تصنيفية-نمطية
في اتجاه الآخر: العصبي أو المتعصب.أي أن هناك-استعمالا نفسيا-اجتماعيا تداوليا يمر
عبر شخصنة و تصنيف الآخر بكونه عصبي أو متعصب. لكن هذا التداول العامي إن صح
التعبير ، لا ينفي و جود المواقف والسلوكات العصبية، أو النزعة العصبية، و التي
يمكن دراستها و تحليلها و العمل على فهم تجلياتها النفسية الاجتماعية،أي نقلها من
مستوى ما هو تداولي عمومي و قيمي إلى ما هو تحليلي، موضوعي و إجرائي.
ومن خلال ما ذكرته في سؤالك حول
أشكال التعصب المتعددة، يمكننا القول أن التعصب بمعناه النفسي الاجتماعي يحيلنا إلى
مجال المواقف و الآراء و القناعات و المشاعر والسلوكات المرتبطة بموضوع ما ،و الذي
يتبنى الفرد أو الجماعة اتجاهه مواقف و سلوكات و ردود فعل حادة، مغلقة و يقينية
القناعات و الأحكام و المواقف، أي أننا أمام مواقف و قناعات وردود فعل و تصرفات
اندفاعية حادة ، مغلقة و متسرعة زمنيا بالنسبة لنوعية الحدث موضع
التعصب، تحيلنا جميعها إلى شخصية أو ذهنية أو هوية انتمائية مركزية الذات و التمثلات
و القناعات، و التي تفتقد إلى المرونة و الدقة و الإجرائية في تحديد و تعريف هذا
المفهوم، بالمواصفات التي ذكرت في سؤالك لا بد لنا أن نستحضر مؤشرات الحدة و
التكرارية و الاستمرارية لهذه المواقف و التصرفات و ردود الفعل التعصبية داخل
الزمان و المكان ،مكونة بذلك سمة من سمات الشخصية و التي تتميز بالديمومة و الثبات
لدى شخص معين أو مجموعة معينة. وهو ما بموقعنا سيكولوجيا داخل مجال علمي متخصص يعرف
بسيكولوجية الشخصية.
·
دوافع و تجليات و أعراض
التعصب الفردي و الجماعي ؟
إن التعصب كسلوك،إجرائيا يحيلنا
إلى العتبة الزمنية الفاصلة بين الحدث و رد الفعل، أي إلى حدة و سرعة الاستجابة و
رد الفعل و مواقفها المبالغ فيها و التي لا تتلاءم و نوعية الحدث . و هو ما يجعلنا
أما حالة نفسية تتميز بالانفعال الحاد و الاندفاعية في السلوك و تشنج في العلاقات
مع الآخرين. إننا سيكولوجيا غالبا ما نكون أمام أشخاص يعانون من الشعور بالنقص و عدم الثقة بالنفس و في كفاءاتهم التحاورية و الحجاجية و الاقناعية، شديدي الحساسية و
الاندفاعية و المزاجية. أي أننا نكون أمام أشخاص يفتقدون القدرة على التنظيم و
التدبير الذاتي الوجداني و المعرفي و
القدرة على ضبط الذات ، مما يجعلهم سريعي التو
ثر و الانفعالية ، و يفتقدون القدرة على التفكير و الحوار و النقاش المرن و المفتوح
داخل الزمن ، و القدرة على التفاعل إيجابيا مع مستجدات الواقع و تقبل الاختلاف في
الرأي و تعدديته.
فكثرة التعصب و حدته لدى شخص ما،
كسمة سائدة و مميزة لشخصيته و علاقاته، عادة ما تعتبر مؤشرا سيكولوجيا دالا على و
جود اضطراب ما في الشخصية، من حيث عدم قدرتها على التنظيم و التدبير الذاتي
لمشاعرها و لمواقفها و لقناعاتها و لتفاعلاتها مع الآخرين، و الذي قد يتطلب علاجا
نفسيا. كما أن سلوك التعصب مجتمعيا و تواصليا، كسمة سائدة لدى شخص ما على مستوى
التفاعلات الاجتماعية، عادة ما يشير إلى شخص يفتقد إلى آليات حسن التواصل و التصرف
في المواقف و الأوضاع الاجتماعية المختلفة، و الذي يولد اتجاهه مواقف النفور
والابتعاد و مواقف الحيطة و الحذر، وذلك لما يتسم به سلوكه النفسي الاجتماعي من
مواصفات و سمات عدم النضج الاجتماعي على مستوى التفاعلات و التبادلات و أسلوب
التواصل و الحوار المتميز بالتعصب و المزاجية، فنكون بالتالي مجتمعيا أمام سلوك
انحرافي عن المألوف و المتعارف عليه و المرغوب فيه علائقيا و تواصليا.
من خلال ما سبق ذكره، ندرك بأننا
أمام شخصية تتميز بعدم النضج الوجداني و المعرفي و الاجتماعي، المتميزة بسيادة
الانفعالية الحادة و الانغلاق النسقي الفكري و غياب مرونة و حسن التواصل و التحاور
المفتوح، مع سيادة مواقف و استراتيجية الصراع والمواجهة. أي أننا أمام شخصية تفتقد
إلى المرونة و إلى آليات التنظيم و التدبير الذاتي لمشاعرها و كفاءاتها، وتفتقد إلى
الانفتاحية و التفاعل الايجابي داخل مرجعية التعددية و الاختلاف، و المتميزة
بمركزية الذات و بمركزية المواقف و القناعات و الهوية.
فالتعصب كسلوك، والمتعصب كسمة
مميزة لشخص ما، كلها مواصفات و سمات تتموقع داخل سلم متدرج الوحدات و الحدة، و لكن
بقيمة متطرفة داخل سلم السلوك الإنساني. وكما قلت في البداية فهي سمة آلية نفسية
تعويضية و دفاعية لمشاعر عدم الثقة بالنفس و الشعور بالنقص.والنزعة إلى الانغلاق
على الذات و التمركز حولها، بمواقف و استراتيجية دفاعية غالبا ما تأخذ شكل
الانفعالية و الاندفاعية و الهجوم على الآخر و الرغبة في إقصائه.
·
و ماذا عن التعصب و
التربية الأسرية؟
إذا ما عدنا إلى أهم المواصفات
والآليات النفسية الاجتماعية المميزة لسلوك التعصب على المستوى الوجداني و المعرفي
و الاجتماعي، فإن المقاربة الوجدانية ستحيلنا إلى سيادة المشاعر و الانفعالات
الحادة المصاحبة بالتوتر و الضغط النفسي، ذات السمات المزاجية، في حين أن المقاربة
المعرفية ستحيلنا إلى هيمنة الأنشطة الذهنية الصلبة و التمثلات و المواقف المنمطة
و الأحادية النسق والتفكير والإستراتيجية،
في حين أن المقاربة الاجتماعية التواصلية ستحيلنا إلى سيادة مواقف و أساليب
التواصل و الهوية المغلقة و اليقينية و المطلقة المواقف و القناعات و الحقيقية الغير قابلة للنقاش و الحوار و
الاختلاف والاجتهاد و التجديد.
و عندما نكون أمام سلوك سائد بهذه
المكونات و المواصفات الوجدانية و المعرفية و التواصلية، المتميزة بالكثير من
الديمومة و التباث ، لا بد أن تكون قد ترسخت و انتظمت داخل الزمان و المكان، عبر
أوضاع و مواقف نفسية و أساليب و معاملات تربوية تكبح معها آليات و كفاءات التنظيم
و التدبير الذاتي الوجداني و المعرفي و الاجتماعي لدى الطفل. و هذا ما تبينه و
تثبته العديد من الأبحاث و الدراسات العلمية المتخصصة في مجالات علم النفس.
فكبح حرية التفكير و التعبير و
إبداء الرأي، وتغييب أسلوب و منهجية الحوار و الحجاج و الإقناع و الاقتناع داخل
الوسط الأسري ،من خلال هيمنة أسلوب تربوي سلطوي و استبدادي ، تبين نتائج الدراسات
بأنه يؤدي عادة إلى غياب الثقة بالنفس لدى الطفل، و إلى غياب الفكر و التفكير
التعددي و مرونة الأنسقة الذهنية التعليلية و البرهانية و الحجاجية، و إلى عدم
اكتساب كفاءات و آليات حسن التواصل المفتوح، المتفاعل إيجابا مع مرجعيات التعدد و
الاختلاف.
فمن سلبيات العقلية و الثقافية
الأسرية السلطوية، الاستبدادية في الأسلوب و التدبير و القرار، عبر قيمها و
معاملاتها و تعاليمها المغلقة و ممارساتها و غلظتها، التي تنبذ أو تغيب قيم و
ممارسات إبداء الرأي و الحوار و الإنصات المتبادل و منهجية الحجاج و الإقناع و
الاقتناع، أنها تؤثر سلبا على شخصية الأطفال و على قدرتهم على تنظيم و تدبير
مشاعرهم و كفاءاتهم و تفاعلاتهم، بكيفية يغيب معها، أو يتعثر معها بكيفية دالة
نضجهم المعرفي والوجداني و الاجتماعي، فتصبح سلوكات التعصب السمة السائدة و
المميزة لشخصيتهم. ومن هنا ندرك أهمية ما أصطلح على تسميته "بالأسرة
الديمقراطية" و فضائل و إيجابيات
أسلوبها التربوي الودي و المرن،
المحفز و المنمي لآليات و قدرات التنظيم و التدبير الذاتي الوجداني و المعرفي و
الاجتماعي لدي الطفل، و الذي ينبغي دعمه كذلك داخل المدرسة بنفس المنظور و
المقاربة و الأسلوب و المنهجية. هذا بالإضافة إلى دور و أهمية جمعيات المجتمع
المدني و الأحزاب الديمقراطية.
·
هل يمكن أن نتحدث عن
التعصب كمرادف للتطرف؟ و ما هي مخاطر و انعكاسات التطرف ؟
قلت في بداية هذا الحوار، بأن
مصطلح التعصب يبقى مصطلحا تداوليا و سائد الاستعمال بالكثير من أحكام القيمة السلبية،
ويبقى من الواجب علينا إخضاعه إلى مواصفات و محددات إجرائية دقيقة كما فعلنا لحد
الآن، باعتبار أن سلوك التعصب الذي نتحدث عنه في هذا الحوار، هو السلوك الفردي أو الجماعي المتميز
بمؤشرات الحدة و التكرارية و الاستمرارية داخل الزمان و المكان، و بالتالي المتميز
بمواصفات الديمومة كخاصية أو سمة سائدة لدى شخص أو جماعة معينة خلال فترة زمنية
دالة.
و بهذه التحديدات و المواصفات ،
فالتعصب يحيلنا هنا إلى مشاعر و مواقف و قناعات و سلوكات تتسم بالحدة و التكرارية
والاستمرارية داخل سلم قياسي مرجعي متعدد و متواصل الوحدات و الحدة، يحتل فيه سلوك التعصب قيمة سلبية متطرفة. فسواء
تعلق الأمر بسمة سائدة لدى شخص ما أو بديناميكية مجتمعية أوسع، فإن قيمة و سمة
التطرف يبقى لها معنى و دلالة قياسية موضوعية داخل سلم معياري المقاييس و الوحدات،
لا بد من الاحتكام إليها و العمل بها، كما تبقى محددات و مواصفات موضوعية على
مستوى الانفعالات، المواقف والسلوكات و التي تخل بالتوازنات الايجابية على المستوى
النفسي الوجداني و المعرفي و الاجتماعي، و تموقعنا بالتالي داخل ديناميكية نفسية-
اجتماعية سالبة متميزة بمركزية الذات ، و بأحادية و يقينية المواقف و القناعات ، و
بانغلاق مرافق الهوية و تحصين و غلق حدودها. و من هنا يحق لنا أن نقارب بين المفهومين
أي التعصب و التطرف، باعتبار أن مكونات و مواصفات الأول تحيلنا إلى الثاني في عدة
مجالات. فالتعصب كما رأينا كسمة مميزة لشخص ما أو لذهنية معينة أو لهوية جماعية،
هو قيمة متطرفة، المتميزة بمركزية الذات و شدة حساسيتها، وبأحادية المواقف و
القناعات اليقينية، و انغلاق مواقف الهوية الجماعية. و هذه كلها مشاعر و مواقف و
سلوكات وانتماءات يمكن أن نصفها
بالمتطرفة، أي الفاقدة لكل مرونة و اعتدال و انفتاح و تفاعل ايجابي مع الآخرين،
كما هو عليه الشأن مثلا في مجالات و قضايا التعصب الهوياتي، الثقافي منه أو الديني
أو الترابي أو اللغوي...، والقائلة و المقتنعة بصفاء و طهارة هذه الهويات و
مكوناتها غير القابلة للامتزاج و الاختلاط و التعددية.
و إن كنا نجد أحيانا بأن هذا النوع
من التعصب أو العصبية، يظل متولدا عن رغبة و إرادة قوية في إثبات الذات و الدفاع
عن قضايا مشروعة، بالكثير من المثالية و الرغبة في تغيير الأمور إيجابيا، لكنها
تتسم و تتميز بالانغلاقية و بالتمركز حول الذات و بهيمنة البنى الفكرية والمواقف الأحادية
المتطرفة، أي الرافضة لأدبيات و منهجية الحوار و الحجاج والإقناع و الاقتناع، ضمن
مرجعية و ثقافة فضاءات التعددية والاختلاف. و هذا ما يجعلنا ندرك بأن التعصب لقضية
ما يمكنه أن يتحول و بسهولة، إلى التطرف المكرس لاسترتيجية الصراع و المواجهة
الحادة مع الآخر أو الآخرين، للحفاظ أو لاسترجاع صفاء الهوية وطهارتها و عدم تلوثها
من خلال حضور الآخرين بحوارها أو التساكن و التعايش و الامتزاج بها. فنكون بالتالي
أمام قيم و مواقف و قناعات و سلوكات إقصائية تطهيرية بالكثير من التعصب و التطرف،
أي بالكثير من العنف والمواجهة المؤطرة و
المحصنة بمواقف القيمة و الأحكام السلبية اتجاه الآخرمن ناحية،و من ناحية أخرى
بالمواقف و القيمة الايجابية اتجاه الذات و هويتها الجماعية الصافية و النقية و
الطاهرة.
إن مثل هذا التعصب الثقافي أو
الإيديولوجي أو الديني الهوياتي مرده إلى هيمنة تمثلاث و مواقف و قناعات تتميز
بالاطلاقية وبنى التفكير المغلقة و
المشاعر العدائية التي تزكي التطرف و استراتيجية المواجهة و الإقصاء، و تبعدنا
كلية عن مواقف و سلوكات و مشاعر الود و التواصل المفتوح و ثقافة و أسلوب الحجاج و الإقناع
و الاقتناع و الاحترام المتبادل و التساكن و التعايش بمرجعية التعددية و الحق في
الاختلاف.
و هو تعصب و تطرف من شأنهما أن يدرجاننا
داخل ديناميكية نفسية اجتماعية سالبة، المؤججة لمشاعر و مواقف و سلوكات الحقيقة
المطلقة، و المواجهة و الصراع، واستراتيجيات و ممارسات إقصاء الآخر، وأن تبعدنا
بالتالي عن عقلية و ثقافة وممارسات المجتمع الديمقراطي المفتوح و المتفاعل و
المتحاور و المتحاجج و المتساكن بهوبته الوطنية المشتركة وبخصوصياته و روافده
المتعددة.
حاوره محمد الزوهري
فاس 8 نونبر 2003
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire