"دور علم النفس في التحسيس بحقوق الطفل المغربي"
. .
إذا كان المقصود بالحقوق عموما، مصالح أو سلط يستأثر بها صاحبها ويحميها له القانون [1]، فما المقصود بالحقوق السيكولوجية للطفل؟. في الواقع هذا السؤال يضعنا أمام إشكالية قانونية وتعريفية تتعلق بأنواع الحقوق. إذ يتم التمييز في إطار القانون بين الحقوق المدنية، والحقوق الاقتصادية، والحقوق السياسية... إلخ؛ ويتم التمييز بين هذه الأنواع من الحقوق انطلاقا من الزاوية المرجعية التي ينظر منها وإلى حقلها المتميز. لكن إلى أي حد يمكن الاقتصار على النظر إلى الطفل من زاوية سياسية أو مدنية أو اقتصادية أو جنائية ...، ألا يمكن مقاربته من زاوية نفسية أيضا؟.
إن المقاربة السيكولوجية، كمقاربة ضرورية، تستمد مشروعيتها من هذا الكائن نفسه، بالنظر إلى مؤهلاته وكفاءاته وقدراته ومشاعره الخاصة به في هذه المرحلة النمائية. وبالتالي فلا بد للمقاربة القانونية في المغرب أن تستحضر الزاوية السيكولوجية في إطار عملية تشريع هذه الحقوق وتصنيفها، وذلك لأن علم النفس ساهم بشكل كبير ومتميز في التعريف بماهية الطفل وبخصائصه وقدراته، وأيضا بحاجاته وبمطالبه النفسية والاجتماعية. وبناءا على هذه المعرفة السيكولوجية أمكن تشريع مجموعة من الحقوق للطفل مثل حق النمو، وحق اللعب، وحق الترفيه والراحة، والحق في الحماية من الاستغلال الجسدي والجنسي والنفسي...
من تم يمكننا القول على أن الكفير من الحقوق القانونية هي في الأصل حقوقا سيكولوجية، مثل حق اللعب. فاللعب مثلا هو حاجة نفسية ومكون أساسي لشخصية الطفل، لابد لمحيطه الأسري والاجتماعي أن يلبي له هذا الاحتياج الترفيهي والمتعي النمائي والانصهاري.
لكن هل الحقوق السيكولوجية يمكن تسطيرها قانونيا؟
هنا سنتطرق إلى دور آخر لعلم النفس، ويرتبط هذه المرة بالتحسيس ولا يرتبط بالتأسيس للحقوق، فهناك من الحقوق السيكولوجية الضرورية ما ينبغي وما يمكن جعلها حقوقا مسطرة قانونيا، وتكون بذلك محصنة ومفروضة بقوة القانون؛ لكن هناك حقوق سيكولوجية أخرى، أكثر ضرورة وأهمية لما لها من أثر في تكوين شخصية الطفل والتي لا يمكن تسطيرها قانونيا، وإنما يظل الرهان في تحقيقها متوقفا على الضمير والوعي الفردي والجماعي، وبالتالي على ثقافة وتربية ووعي الفرد والمجتمع ككل. من هنا يأتي دور علم النفس في تعريف المواطنين بهذه الحقوق وتحسيسهم بأهميتها. ومن هنا كذلك تتحدد أهمية هذا النشاط السيكولوجي العلمي الذي ينظمه مرصد الطفولة والمراهقة.
وقبل أن أخوض في عرض هذا النوع من الحقوق السيكولوجية، ينبغي أن أشير إلى مسألة هامة وهي، أن ما يفرض بقوة القانون في هذا المجال الحيوي، يجد صعوبة في طريقه إلى نفسية الفرد – دون أن نفي ذلك وظيفة القانون – ما لم تكن هناك تربية وتحسيس بأهمية هذا الشأن التشريعي، ليكون بذلك نابع أساسا من نفسية الفرد وإرادته. ومن هذا المنطلق تتحدد أهمية العديد من الحقوق السيكولوجية كحقوق غير مسطرة قانونيا، وإمكانية توصيلها إلى المجتمع لجعلها جزءا من ثقافته لا جزءا من ترسانته القانونية. فكل ما مر عن طريق التوعية والتحسيس سكون سيكولوجيا أضمن للوصول إلى ممارسات المواطنين، عنه إذا ما مر مباشرة عن طريق القانون.
أما الآن فسأمر للتساؤل عن أهم حقوق الطفل السيكولوجية في علاقتها مع مكونات وسمات ومميزات شخصية الطفل النمائية!.
يظل من الصعب استقصاء مختلف حقوق الطفل السيكولوجية دفعة واحدة، لأن ذلك يفرض علينا متابعة مسار نمو هذا الطفل، بدءا من الحمل وانتهاء عند الطفولة المتأخرة. لذا سأقتصر على مرحلتين مهمتين هما: فترة الحمل، وفترة الرضاعة.
1- بعض دعامات حقوق الطفل – الجنين.
لعل من بين مميزات علم النفس اليوم، هو قلب المفاهيم المعتادة والسائدة. ففي مجال نمو الجنين، كان ينظر إليه، وإلى فترة متأخرة ككتلة بيولوجية داخل الرحم، تبرز معالمها من خلال تغيرات فيزيولوجية تطرأ على المرأة الحامل (كانفتاح البطن...) لكن علم النفس اليوم يبين لنا على أن الجنين هو أولا كائنا حيا، ومتميزا له فردانيته Individualité )، أي أنه سيكو فيزيولوجيا فاعل يتوفر على حياة حسية ووجدانية متميزة خاصة مع بداية الشهر السادس.
فهو من جهة أولى – ومنذ هذه المرحلة الجنينية -، تنتظم لديه كفاءات سمعية، وشمية، وذوقية. فإذا ما أخذنا السمع كحاسة مهمة عند الطفل – الجنين، نظرا لكونها تلعب دورا هاما في تكوين شخصيته نجد أنه يسمع أشياء كثيرة لكن في اتجاه السائل السلوي، بخلاف نحن نسمع عن طريق الهواء، ولعل من بين أولى الأشياء التي يسمعها – كما أثبتت ذلك بعض الدراسات – هي الأمواج الحسية المنتظمة الآتية من الأم، مثل نبضات قلب الأم وإيقاعات التنفس. كما أنه يكون شديد الحساسية للأصوات التي والمثيرات الخارجية، والتي يبدي اتجاهها أحيانا مقاومات وردود أفعال حركية ويقي ذاته من آثارها السلبية.
وينبغي الإشارة بالموازاة مع ذلك إلى إيقاعاته التكوينية، مثل إيقاعات النوم واليقظة، التي تنتظم تدريجيا بعد الشهر السادس من عمر الجنين. لذلك فإن تكرار صوت خارجي حاد، قد يخرجه قسرا من نوم عميق، ويحدث له اضطرابا في إيقاع النوم واليقظة. وأبرز مثال يمكن أن نسوقه في بيئتنا الاجتماعية المغربية، هو سلبيات الشجار الحاد والمتكرر بين الأبوين في هذه المرحلة العمرية. من هنا تأتي ضرورة احترام فقوق الطفل الجنين لتوفير الشروط الملائمة لنموه السلين.
كل هذا يجعلنا ندرك أن الطفل – الجنين ينمو في اتصال وتفاعل دائم مع بيئته – خاصة العائلية منها – فإذا كانت الفوضوية والاضطراب والشجار الأسري، هما ما يسمان هذا الوسط فإنه سيأتي متأثرا بذلك. من تم ألا يمكن الحديث هنا عن حق الطفل – الجنين في الهدوء والراحة والسكينة من خلال وئام ومودة وسكينة الوسط العائلي؟. أليس من حق الطفل – الجنين المغربي على أفراد عائلته ووسطه أن ينعم بالراحة؟ وأن يستمتع بأصوات جميلة (مثل ترانيم الأم...)؟.
ومن جهة أخرى فهو يشعر ويتفاعل وجدانيا مع حياة الأم الوجدانية. فإذا ما أخذنا الخوف والضغط النفسي كحالة وجدانية عند الأم، وما يخلفه ذلك على المستوى الفيزيولوجي من ارتفاع دقات القلب ومن إفراز لبعض الهرمونات (الأدرينالين...)، كل هذه التغيرات ستمس الجنين مباشرة فيعبر هو الآخر عن إحساسه بالخوف والتوتر النفسي عن طريق الحركة (احتكاكات وضربات رجليه des secousses et des coups de pieds).
ولا بد من الإشارة هنا أيضا إلى أن الجنين يتأثر بالحالة الانفعالية للأب سواء بطريقة مباشرة أو بواسطة الأم، إذ يدرك صوت الأب ودلالته الانفعالية. من تم ينبغي أن نخلص إلى نتيجة هامة، زهي أن الحياة النفسية للأبوين معا لها انعكاس قوي على طفليهما، وبأنه من حق هذا الطفل – الجنين على أبويه أن ينعم بالراحة بينهما، في ظل علاقة زوجية أسرية قائمة على المودة والمحبة المتبادلة.
2- بعض دعامات حقوق الطفل – الرضيع.
إن لحظة الميلاد تشكل حالة سيكولوجية متميزة ودالة بالنسبة للمولود وكذلك للأبوين، فهي تعتبر دعامة سيكولوجية أساسية على مستوى التعلق الوجداني. فالطفل في هذه المرحلة المبكرة من حياته يحتاج إلى الحنان والابتسامة والتواصل الودي...، وافتقاره في هذه الفترة لهذه المشاعر ستكون له انعكاسات نفسية مستقبلية. بل إن كثيرا من الأمراض النفسية تتشكل انطلاقا من هذه الفترة مثل الانطواء، الكآبة، والقلق ...إلخ.
معنى ذلك أن الطفل وابتداء من هذه الفترة له استعداد وكفاءات تواصلية، وحينما يواجه بقساوة أو لا مبالاة تواصلية، ينعكس عليه ذلك سلبا.
والطفل المغربي كأي طفل، يبقى في حاجة إلى تلبية هذا الاستعداد السيكولوجي وهذه النزعة التواصلية، ومن حقه على وسطه أن يوفر له ذلك.
كذلك الأمر بالنسبة لعملية الرضاعة، والتي لا تمثل فقط لحظة إشباعية بل أيضا لحظة سيكولوجية متميزة أو بالأحرى لحظة سيكو تواصلية، فبقدر ما أن حليب الأم يشبع حاجاته الفيزيولوجية النمائية، بقدر ما أن الابتسامة والنظرات الودية تغذي حاجاته الوجدانية التواصلية التبادلية. ومن تم فإن عملية الرضاعة ليست بعملية آلية، تتحدد بوضع حلمة الثدي في فم الطفل، بل لحظة تفاعل تبادلي وجداني تتخلله الابتسامة، ملامسة جسم الرضيع، النظر إليه...، وبالتالي الإحساس بالحنان والحب والعطف، وليس الإحساس فقط بإشباعات التغذية. هذه الاحتياجات والدعامات الأساسية التي تدخل في صميم الحقوق السيكولوجية للرضيع، ليست احتياجات ودعامات يتم تحقيقها عن طريق معادلة المنفعة والمصلحة، ومعادلة البيع والشراء، والإلزام القانوني، بل عن طريق مشاعر المحبة ومستوى الوعي والتربية الأسرية.
إذن هذه باختصار بعض الحقوق السيكولوجية للطفل المغربي في هذه المرحلة المبكرة من نموه. والشيء الذي ينبغي أن نؤكد عليه هو ضرورة احترام حقوق الطفل عبر احترام إيقاعاته التكوينية، ومؤهلاته وحاجياته، وإيجاد المناخ الثقافي – الاجتماعي – التربوي الملائم لنموها وإغناءها وتوظيفها إيجابا. وهذا البعد يفترض بدوره وجود معرفة علمية منتشرة ومتداولة مجتمعيا حول نسق ووتيرة سير وتطور هذه الإيقاعات والمؤهلات والحاجيات، للتدخل إيجابا على هذا المستوى والحد من سلبيات العديد من المعايير والتمثلات والممارسات الثقافية "المؤسساتية"[2]
المراجع:
- علي الصقلي حسيني والمسعودي العياشي، محاضرات في المدخل لدراسة القانون، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، ص 212، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، بدون تاريخ.
- عبد الرحيم عمران، الطفل بين المبادرة والتبعية، منشورات مرصد الطفولة والمراهقة، ص 5، 1997، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس.
HERBINETE, E., BUSNEL, M.C. (éds). (1981). L’aube des sens. Paris. Stock.
LEBOVICI, S., WEIL – HALPERN, F(éds). (1989). Psychopathologie du bébé. Paris, PUF.
SCHAAL, B (éds). (1977). L’odorat chez l’nfant : perspectives croisées. Enfance, N° 1, PUF.
VEZIN, J. F (1994). Psychologie de l’enfant. L’enfant capable. Paris, édition L’harmattan.
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire