الشباب وسيكولوجية البطالة





الشباب وسيكولوجية البطالة

.                                           

 مقالات وحوارات الأستاذ عبد الرحيم عمران



س:   كيف يمكنك أن تتحدث لنا عن سيكولوجية بطالة الشباب؟.

ج:  بطالة الشباب في مكوناتها السيكولوجية هي نفي، هي إلغاء لهوية الشباب. هي سيكولوجية المعاناة، سيكولوجية الانتظار والقلق وانعدام اليقين والخوف من الغد؛ وهي بالتالي سيكولوجية التهميش والشعور بالدونية و "الحكرة" كما نقول بالدارجة، من خلال نظرات الاخرين ونظرة المجتمع إلى الشباب العاطل، ككائن يتصف بغياب الهوية وبغياب القدرة على إثبات الذات من خلال سيرورة وهوية الاندماج المهني.



س: ماهي مخلفات هذه السيكولوجية على نفسية الشباب العاطل؟.

ج:  إنها بالأساس مخلفات سيكولوجية المعاناة وسيكولوجية التهميش، وبالتالي سيكولوجية تغييب أسس ودعائم الشخصية المبادرة الفاعلة، ولسلوكها الإرادي كيف ذلك؟، لأنه وكما سبق لي وأن ذكرت لك سابقا، فالسلوك الإرادي لدى الشباب يقوم على مكونات وحوافز ودينامية المشروع والتخطيط والمبادرة والإنجاز، التي تمكنه من إثبات ذاته ومن امتلاكه لهوية فاعلة. لكنه وفي وضعية البطالة تغيب كل هذه السمات والمواصفات والآليات السيكولوجية. إذا ماذا يبقى لنا؟، يبقى لنا كائنا سيكولوجيا واجتماعيا يعيش بصورة سلبية عن الذات، وبمشاعر عدم التحكم وعدم التدبير الذاتي الإيجابي لمجريات حياته ولمشروع حياته؛ كائنا محاصرا سيكولوجيا ومجتمعيا بسلبيات وإكراهات وضعية البطالة ومعاناتها، والتي يعيشها حتى على مستوى إيقاعات وفضاءات الحياة اليومية؛ يعيشها على مستوى الشارع، على مستوى المقهى، على مستوى العلاقات والتفاعلات الاجتماعية والأسرية، وكذلك على مستوى مصالح الإدارات العمومية والمؤسسات الإدارية المشغلة والمقاولات...إلخ. فتصور معي حجم وحدة المعاناة النفسية الاجتماعية المعنوية منها والعلائقية، التي يعيشها ويعاني منها يوميا الشباب العاطل، بمشاعر ومواقف عدم الإنصاف وعدم الرضى وعدم القدرة على التدخل إيجابيا على مجريات ومشروع حياته. مع العلم أن هذا الشباب العاطل في كثير من الأحيان هو شباب مؤهل، شباب جامعي، شباب النخبة المجتمعية، هو المورد البشري في أعلى مستويات التكوين الجامعي. إذا هو الأمل، هو الحافزية، هو الرغبة والقدرة على الامتداد الواعد داخل المستقبل؛ لكن لمن؟، لأطفالنا ولمراهقينا، باعتبار أن هذا الشباب الجامعي هو المسار والأفق والمحطة التي سيصل إليها مستقبلا أطفالنا ومراهقينا، ضمن سيرورة التعليم والتكوين والأفق الواعد، للمشاركة الفاعلة في مختلف أوراش التنمية المجتمعية والإنتاج الاقتصادي واستراتيجية التوزيع العادل لثرواته. في حين أن وضعية البطالة تحول هؤلاء الشباب مجتمعيا إلى مؤشرات ودعامات سلبية لأطفالنا ومراهقينا بمعادلة: "قرا حتى تعيا ما طلع والو، غير البطالة" ؛ "علاش بغيتيني نقرا ! واش اللي قراو قضاوها !" ...إلخ. وهذه كلها تمثلات وأحكام نمطية تعبر عن مشاعر ومواقف انسداد الأفق وانعدام اليقين والخوف من الغد، وغياب تمثلات ومرافق فضاءات المستقبل الواعد، والقدرة على الاستشراف واتخاذ القرار بمرجعية وإرادة شخصية. كما نعلم فإن سيادة مثل هذه المواقف والتمثلات والقناعات، من شأنها أن تنعكس سلبا على سيكولوجية الأطفال والمراهقين، وعلى سيكولوجية المجتمع بشكل عام؛ وذلك من خلال ما تولده من قلق وسوداوية واكتئابية جماعية وفردية. في حين أن مشاريع ومخططات وبرامج التنمية والرفاه الاقتصادي اليوم في الدول المتقدمة، تراهن أكثر فأكثر على الموارد البشرية المؤهلة والمبدعة والمجددة. ومثل هذه الحقائق التنموية ومفارقاتها، تطرح علينا مجتمعيا وسياسيا عدة تساؤلات جوهرية، بل ومصيرية في نظري. إذ كيف يمكننا أن نراهن على تنمية اقتصادية ومجتمعية شاملة ومستدامة، وعلى تنافسية المقاولة المغربية المواطنة وجودة إنتاجها، في وقت يفتقر فيه اقتصادنا وتفتقر فيه مقاولاتنا إلى الموارد البشرية الشابة الكفأة والمبدعة، بوفرة وسيولة على الصعيد الوطني والجهوي والمحلي؟؛ وفي الوقت الذي لا يتم فيه استثمار  وإدماج الشباب الجامعي حاملي الشهادات مثلا داخل دورة ودينامية التنمية الاقتصادية وداخل المقاولة المغربية، بل وحتى داخل الوظيفة العمومية ومجالات التنمية الاجتماعية والبشرية؟.

س: كباحث سيكولوجي، ماهي في نظرك مخلفات بطالة الشباب اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا؟.

ج:   لا أخفي عليك بأن نوعية المفارقة القائمة من ناحية بين رهانات أوراشنا التنموية، ورغبتنا الصادقة في ربح معركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي تأهيل مواردنا البشرية بمواصفات الكفاءة والإبداع والتجديد والابتكار، وفي كسب رهانات مجتمع المعرفة والحداثة والديمقراطية، ومن ناحية أخرى بين مخلفات معضلة بطالة الشباب حاملي الشهادات، فعلا مفارقة تحيرني وتؤرقني. مما يجعلني أذهب في تحليلي السيكولوجي إلى أن ظاهرة بطالة الشباب وبالأخص الجامعي منه، تشكل وضعية شاذة مجتمعيا واقتصاديا وسياسيا. إذ كيف يمكننا مجتمعيا وبشريا وتنمويا أن نراهن على رفاه اقتصادي في غياب رأسمال بشري مؤهل عماده ومرجعيته هو الشباب الجامعي؟، باعتباره يمثل ويرمز إلى أعلى مستويات التكوين والتأهيل والاجتهاد والابتكار. ثم ماهي مواصفات دينامية هذا المجتمع الديمقراطي والحداثي الذي لا يعمل سياسيا ومشاريعيا وتخطيطا، على بلورة مشاريع تنموية قابلة للإنجاز والموفرة لإمكانيات ولفرص الشغل المنتج والمبدع؟، على اعتبار أننا عندما لا نوفر سياسيا وتخطيطيا ومشاريعيا وترابيا هذه الإمكانيات والفرص لشبيبتنا، فإن اقتصادنا يفقد إمكانيات وطاقات الإبداع والتجديد والمبادرة الخلاقة، وبالتالي إمكانية خلق الثروات والاستثمار المنتج. فنفقد بالتالي المشاركة الفعلية والفعالة لشبيبتنا، ونفقد معها أهم روافد رفاهنا واستقرارنا، ونفقد في نهاية المطاف أهم سبل ترسيخ وكسب رهانات مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي. على اعتبار أن وضعية البطالة هي وضعية نفي وإلغاء لأهم حوافز ودعامات الشخصية الإرادية الشبيبية ولطاقاتها الإبداعية ولمشاركتها الفعلية ولمبادراتها الفعلية والجماعية، ولدعامات هويتها المواطنة. فمن أسوء الظواهر المجتمعية الصعبة والمؤلمة، والتي لها انعكاسات وامتدادات متعددة بل وشمولية على المجتمع المغربي، هي معضلة بطالة الشباب. فبالإضافة إلى مخلفاتها السيكولوجية الفردية والمجتمعية السالفة الذكر، فهي تنعكس كذلك وبقوة على توازن واستقرار سعادة الأسرة المغربية، وتشكل مصدرا قويا ومباشرا لمعاناتها اليومية ولصراعاتها العلائقية ولهشاشة أوضاعها. فتصور معي نوعية وحجم وحدة المعاناة التي تعاني منها اليوم العديد من الأسر المغربية، من جراء بطالة أبناءها ذكورا وإناثا !. تصور معي، والعديد من الدراسات الميدانية حول هذا الموضوع تؤكد ذلك، الوضعية النفسية للأسرة المغربية المعروفة بتضحيتها من أجل أبنائها لتوفير شروط سعادتهم واندماجهم واستقرارهم، وهي ترى فلذات أكبادها وأعز ما لديها في الحياة، وبعد جهد جهيد وتضحية وعطاء بدون محاسبة، في وضعية بطالة وبالتالي في وضعية تهميش وتبخيس ومعاناة !. تصور معي نوعية قلقها ومعاناتها واكتئابها، من جراء وضعية بطالة أبناءها، وتصور معي نوعية الاضطرابات النفسية التي تصبح عرضة لها !؛ والكل يعلم أن الأسرة هي الرافد المرجعي لإستقرار ولتوازن ولرفاهية المجتمع وتماسكه وتضامنه.

س:   الشباب وكما قلت هو كائن المشروع والشخصية الإرادية، كيف تؤثر سيكولوجية البطالة على شخصيته الإرادية ومشروع حياته؟.

ج:   للإجابة على تساؤلك هذا، لا بد لنا من استحضار البعد الزمني، أي استحضار سيكولوجية البطالة داخل السيرورة والامتداد الزمني على شخصية الشباب العاطل وعلى حافزيته وكفاءاته ومشاريعه، وما تولده معها زمنيا من تحول بنيوي على مستوى مكونات الشخصية، أي على مستوى صورة الذات والحافزية والإرادة والفاعلية، وعلى مستوى مكونات وأبعاد ومجالات مشروع الحياة. فالدراسات العلمية السيكولوجية المتخصصة، تبين لنا أنه وفي حالة استمرار وضعية البطالة المهنية، فإن آلياتها وإيقاعاتها ومعاناتها تولد ما أسميه "بالبطالة السيكولوجية"، أي فقدان روافد الرغبة والحافزية والإرادة والأمل والفاعلية وآليات التنظيم والتدبير الذاتي المبرمجة والمنتظمة زمنيا ومكانيا؛ أي دعائم وآليات الشخصية الإرادية الفعالة والمبادرة والمنتجة، المتفاعلة والمتواصلة إيجابا داخل فضاءاتها وأوساطها المجتمعية؛ بمرجعية وتطلعات مشروع حياتها المفضل. وفي ظل هذه السيرورة والدينامية السلبية، يتحول العديد من الشباب العاطل من سيكولوجية شباب المشروع والشخصية الإرادية إلى شباب الانتظارية والاتكالية واليأس والاستسلام، بمواصفات وسمات "البطالة السيكولوجية" السالفة الذكر. وهنا تصبح الخسارة في نظري مضاعفة ومزمنة، أي خسارة اقتصادية ومجتمعية وأسرية ومدنية وسياسية، وخسارة شخصية هوياتية واستيلابية، تجعل من الشباب العاطل يترنح ويتقلب بين مشاعر ومواقف الاستسلام والإنسحابية والقدرية تارة، وتارة أخرى بين مشاعر ومواقف عدم الإنصاف والإحباط وردود الفعل الحادة والمواقف المتطرفة. فمن مميزات سيكولوجية الشباب المحاصر بواقف ومشاعر عدم الرضى والإحباط وعدم الانصاف وعدم الاعتراف المجتمعي بمؤهلاته وكفاءاته ومجهوداته وتطلعاته، أنه ينزع إلى تبني مواقف وقناعات وممارسات تتصف بالشدة والانغلاقية والتطرف، باعتبارها الاستراتيجية والسند السيكولوجي الدفاعي الأخير للتدخل على مجريات حياته بفاعلية وللتقليل من حدة معاناته ويأسه وإحباطاته. فنصبح بالتالي، وكما قلت لك، أمام خسارة مزدوجة المرجعية أي خسارة على المستوى التنموي الاقتصادي والاستقرار والطمأنينة الأسرية، والاستقرار والسلم المجتمعي والسياسي، وخسارة على مستوى نواظم الشخصية الإرادية الفاعلة والمشاركة والمبادرة والمبدعة والمنتجة، الحاملة والمنجزة لمشروع حياتها المفضل، والتي من دونها يبقى من الصعب علينا توفير شروط رفاهنا المجتمعي وترسيخ دعائم وبنى ومنجزات مشروعنا الديمقراطي الحداثي.


إذن تصور معي نوعية وجسامة الخسارة والمعاناة المجتمعية التي تتولد عن معضلة بطالة الشباب !.

حوار: ادريس شحتان 2004
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟

Aucun commentaire:

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران