العلوم الاجتماعية ومناهجها
بين مرجعية "الضبط " ومرجعية
"التغير" الاجتماعي
- قراءة نفسية اجتماعية في
الأسس والآليات والأهداف -
. .
تتموقع
العلوم الاجتماعية وتتجاذب سوسيولوجيا وإبستيمولوجيا بين "براديغمين"
مرجعيين، ألا وهما "براديغم paradigme" "الضبط الاجتماعي" من جهة، وبراديغم "التغير
الاجتماعي" من جهة أخرى؛ وذلك حسب مميزات كل حقبة تاريخية ومجتمعية وقضاياها
الشاغلة وتعود
أهم أسباب هذا التجاذب المرجعي، إلى ارتباط هذه العلوم واشتغالها المباشر بمكونات
المنظومات المجتمعية وبضوابطها وتوازناتها "المؤسساتية" وباستراتيجيات
وديناميكية "فاعليها" ونوعية مشاريعهم.
وإذا
كانت هذه الاهتمامات والخصائص "المعرفية" تكون إحدى مصادر القوة
المميزة للعلوم الاجتماعية، فإنها من ناحية أخرى تشكل كذلك احدى مصادر الهشاشة
المعرفية والانزلاقات الايديولوجية الواردة، والتي غالبا ما تسود مع هيمنة براديغم
"الضبط الاجتماعي" وقضاياه "المعيارية" السائدة لدى الباحثين
الاجتماعيين، مشكلة بذلك إحدى العوائق الإبستمولوجية الكبرى لتطور العلوم
الاجتماعية ولدقة ومصداقية نتائجها. مما يقتضي يقظة معرفية أكبر ومجهودا
إبستيمولوجيا متواصلا وفضاءات علمية منفتحة على بعضها ومتحاججة فيما بينها نظريا
ومنهجيا وميدانيا وممارسة ، والتي تشكل جميعها ما يعرف ب "المصفاة
المعرفية le filtre cognitif" في مجال العلوم الاجتماعية.
من
خلال هذا الطرح السوسيو-إبستيمولوجي العام، ستنتظم المحاور الأساسية لمداخلتي
وعناوينها، وذلك بهدف الوقوف على أهم الاتجاهات والآليات الناظمة حاليا لحقل
العلوم الاجتماعية بالمغرب موضوعاتيا وتنظيريا ومنهجيا وتقنيا وممارسة ، وللتعرف
كذلك على بعض العوائق الإبستمولوجية الفاعلة بقوة داخل هذا الحقل المعرفي، والتي
مردها –وكما سنرى لاحقا- إلى هيمنة طروحات ومقاربات وتقنيات براديغم "الضبط
الاجتماعي" لدى أغلبية الباحثين الاجتماعيين المغاربة؛ داخل حقبة زمنية
أصبحت تتميز مجتمعيا وسياسيا واقتصاديا ومدنيا بإيقاعات وآليات وديناميكية "التغير changement" كممارسة وكمشروع. مبرزين على هذا المستوى،
بعض جوانب العلاقة الجدلية القائمة نظريا وإجرائيا بين موضوع المناهج الكمية
والمناهج الكيفية، في ارتباطهما الوثيق بكل من ديناميكية "الضبط"
وديناميكية "التغير" الاجتماعي. وهو ما سيقربنا من قضايا وإشكاليات
أعتبرها أساسية على مستوى "المناهج" في مجال العلوم الاجتماعية،
كإشكالية البعد "السوسيو-معرفي socio-cognitif" لكل من المناهج الكمية والمناهج الكيفية؛
وإشكالية "مكانة المبحوث" "كفاعل اجتماعي"، بين
المقاربة التقنية-الاستجوابية والمقاربة التواصلية-التشاركية؛ وإشكالية مكانة
المناهج والتقنيات "الكيفية" بين الأهداف المعرفية-التشخيصية
والأهداف التفعيلية التغييرية؛ وإشكالية الخبرة والتدخل التقنو-أداتي في مجال
العلوم الاجتماعية بالمغرب وانزلاقاتها "الإيديولوجية" الواردة، داخل
حقل معرفي ما زالت تهيمن عليه أنسقة وثقافة "الضبط الاجتماعي"
المؤسساتي، وتتجاذبه معرفيا ومنهجيا وممارسة كل من:
1. النزعة التاريخية-المؤسساتية؛
2. النزعة
الامبريقية-القطاعية.
على اعتبار أن النزعة الأولى هي التي هيمنت وإلى فترة متأخرة، موضوعاتيا
وتنظيريا ومنهجيا؛ وبأن النزعة الثانية هي التي أصبحت تسود حاليا لدى العديد من
الباحثين المغاربة المشتغلين داخل حقل العلوم الاجتماعية-القدامى منهم والجدد-،
والمتميزة بنزعتها المفرطة نحو الدراسات والأبحاث الامبريقية القطاعية، وبنفورها
الحاد من قضايا "التنظير" وما يرتبط بها من طروحات وإشكاليات ومفاهيم
وفرضيات ،ومن إجراءات التحقق الميداني (Rapport
du social 2000)
1- العلوم
الاجتماعية بالمغرب بين المرجعية المعرفية-العلمية والوظائف
الاجتماعية-الايديولوجية:
لقد ارتبطت العلوم الاجتماعية في احدى دعاماتها الأساسية بالنزعة "المعرفية cognitive" للإنسان ك "كائن اجتماعي
معرفي" وبرغبته في الفهم والتدبير والتحكم في ظواهره المجتمعية
ومجريات أحداثها الدالة بالنسبة إليه؛ وذلك من خلال معرفة أفضل وأكبر وأدق
بآلياتها وتنظيماتها وتوازناتها واختلالاتها، في علاقتها مع أشكال فاعليته
وتفاعلاته وسلوكاته المؤسساتية منها والجماعية والفردية (1984, BEAUVOIS. 1984, MOSCOVICI). وقد أصبحت اليوم هذه العلوم، بفضل تراكماتها
المعرفية-العلمية ونتاجها النظري والمنهجي والتقني-الأداتي، تشكل مرجعية معرفية
أساسية، وتحتل مكانة متميزة في مختلف مجالات: التشخيص والتخطيط والتنمية. إلا أنها
في نفس الوقت، وبحكم ارتباطها الوثيق بالإنسان "الاجتماعي" وبمرجعياته
المؤسساتية والثقافية والحضارية، ظلت مجالا خصبا للمواقف والاتجاهات الايديولوجية
المختلفة
(1981, BEAUVOIS et JOULE. Doise 1982, JODELET…). وتزداد، تاريخيا ومجتمعيا، احتمالية تأثير
هذه المواقف والاتجاهات والايديولوجية داخل هذا الحقل المعرفي، في المجتمعات
والمؤسسات المتميزة بالبُنى الفكرية والنزعة الاجتماعية "المحافظة" وسيادة
المنظومات والعلاقات "السلطوية"، وغياب ثقافة حرية الرأي
والتعبير، والمشاركة المشاريعية الإرادية الفردية منها والجماعية، وهيمنة المؤسسات
المعرفية ذات الثقافة والأنساق الذهنية "المعيارية المتجانسة" ،حيث
تسود ويعاد إنتاج طروحات إيديولوجية التجانس والتناغم والتوافق والتأصيل والتوازن
والاستمرارية؛ والتي تلتقي موضوعاتيا وتنظيريا ومنهجيا وممارساتيا ،مع العديد من
طروحات ومقاربات مرجعية براديغم "الضبط الاجتماعي". وهو ما
يتطلب يقظة معرفية متواصلة واللجوء باستمرار إلى توظيف وتشغيل "المصفاة" المعرفية-التحليلية
لتغليب كفة المعرفة العلمية على كفة المعرفة الايديولوجية، وبالتالي تقليص
حضورها داخل هذا المجال. وهو ما سأحاول القيام به هنا بالنسبة لأهم
التوجيهات والمقاربات المعرفية ومناهجها السائدة في حقل العلوم الاجتماعية
بالمغرب.
1.1.التقاطب المنهجي داخل حقل العلوم
الاجتماعية بالمغرب: حدوده المعرفية ووظائفه الايديولوجية:
2.1.1. الحدود المعرفية:
كما ذكرت سابقا، فإن حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب تتجاذبه اليوم نزعتان
معرفيتان متقاطبتان:
1- النزعة
التاريخية-المؤسساتية؛
2- النزعة الامبريقية
القطاعية.
النزعة المعرفية الأولى تهيمن داخلها المناهج التاريخية والأنثربولوجية "الوصفية" للأحداث
والوقائع "الماضوية" ولنماذج المنظومات
المجتمعية "المحلية" الدالة. في حين أن النزعة
المعرفية الثانية-والحديثة العهد زمنيا- فتهيمن داخلها المناهج الامبريقية-الكمية،
المركزة على جمع وتحليل المعطيات الميدانية، والمعتمدة بكيفية شبه مطلقة على
تقنية "الاستمارة".
ومن هذه الوضعية المعرفية والمنهجية المتقاطبة، تأتي في نظري
أهمية "المناهج الكيفية" وتقنياتها المفتوحة"
كالمقابلة والجماعة البؤرية مثلا، لدراسة سيرورات الظواهر المجتمعية المركبة وتنوع
ديناميكية واستراتيجيات وممارسات "فاعليها" على
المستوى الفردي والجماعي والمؤسساتي؛ وللانفلات بالتالي من وطأة وثقل هذا التقاطب
السائد حاليا موضوعاتيا ومنهجيا وتقنيا وممارسة. انطلاقا من الطرح الابستيمولوجي
القائل، بأن لكل مرحلة مجتمعية متميزة مناهجها وتقنياتها الأكثر ملائمة ودقة
وحساسية، لدراسة القضايا المجتمعية والعلمية الشاغلة وللكشف عن المحددات والآليات
الناظمة لها. على اعتبار أن أهم القضايا الشاغلة معرفيا ومجتمعيا، حاليا ومستقبلا،
داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب هي قضايا ديناميكية "التغيرات
المجتمعية" ومحدداتها وآلياتها الفاعلة على المستوى الماكرو و
الميكرو-مجتمعي.
2.1. النزعة التاريخية-المؤسساتية ووظائفها الايديولوجية-المعرفية:
من المثير للانتباه،
بالنسبة للمتتبع للأبحاث العلمية والدراسات الجامعية المتخصصة في حقل العلوم
الاجتماعية بالمغرب، منذ بداية الاستقلال وإلى فترة زمنية متأخرة، هيمنة المقاربة
التاريخية، مع التركيز الحاد على القضايا المرتبطة ب"الخصوصية" المميزة
للمجتمع المغربي و "باستمرارية" الآليات والتوازنات
المؤسساتية الناظمة له سياسيا وترابيا وثقافيا وأسريا واقتصاديا؛ رغم هيمنة
براديغم النظرية الماركسية وطروحاتها "النمطية
المراحلية"، التنموية والسياسية والمجتمعية، لدى أغلبية الباحثين
المغاربة في هذا الحقل خلال هذه الفترة الزمنية. تاركة بذلك للهامش مختلف
قضايا وظواهر التغير والتجديد المجتمعي، وبالتالي قضايا التحولات
الماكرو والميكرو-اجتماعية في مختلف الميادين والمجالات الحيوية، الأسرية منها
والتربوية والترابية والديمغرافية والعمرانية والمدنية والاقتصادية. وكل هذا في
ابتعاد ونفور كبير من الدراسات الميدانية الإجرائية ومعطياتها الامبريقية المتحقق
من مصداقيتها، منهجيا وتقنيا وإحصائيا. مفضلة الكتابات والنصوص والأحداث "الماضوية" من
جهة، والنهج الانتقائي في دراسة الحالات الميدانية وفي جمع
المعطيات الغير مقننة منهجيا وتقنيا، من جهة أخرى، المُدعمة أساسا لطروحاتها
النظرية وقناعاتها الأيديولوجية. مُكرسة بذلك الاستراتيجية المجتمعية "اللامعرفية Acognitive" ونزعتها اللاشعورية القائلة
ب "جهل الأمور خير من معرفتها".
إن هذا التركيز الحاد على مساءلة الماضي وأحداثه والاهتمام المفرط بالموروث
الثقافي ومرجعياته، وهيمنة المنهج التاريخي-الوصفي، والاقتصار بالتالي
على تحليل "النصوص" و "سجلات" الأحداث
والوقائع التاريخية والأنثروبولوجية و"حكاياتها"، وعلى دراسات
الحالة الدالة "محليا" والداعمة للطروحات النظرية
السائدة، ستساهم وإلى حد كبير في محاصرة البحث العلمي في حقل
العلوم الاجتماعية نظريا ومنهجيا وميدانيا، في قلة الاهتمام بدراسة العديد من
القضايا والظواهر المجتمعية الشاغلة معيشيا ومؤسساتيا وتنمويا ومشاريعيا، في
علاقاتها مع تنوع وتعدد استراتيجيات وديناميكية "الفاعلين
الاجتماعيين"؛ أي تلك القضايا والظواهر المرتبطة بديناميكية وسيرورات
التغير الاجتماعي على المستوى الوطني والجهوي والمحلي. مما ساهم معرفيا من تضخيم
أهمية "الماضي" ومن آليات محدداته وضوابطه المؤسساتية؛
وجعل بالتالي العديد من الباحثين، في دراساتهم ومقارباتهم
واستشهاداتهم، يميلون للبحث "قسرا" على مؤشرات وآليات
الاستمرارية التي تثبت الطرح القائل بكون بنيات "الماضي" ونظمه
المجتمعية وآلياتها السياسية والثقافية والإنتاجية، تشكل المحدد الفاعل والناظم
لأهم ظواهر "الحاضر" المجتمعي وسيروراته. فلا ترى مثلا
في أشكال نظم "السلطة" المجتمعية الحالية، ولا في
علاقات ونظم "الإنتاج" وآلياتها؛ ولا في أشكال
"البنيات" الاجتماعية و"شبكة" روابطها
وتفاعلاتها على المستوى الوطني والجهوي والمحلي، إلا امتدادا بنيويا لشكل سلطة
وثقافة "دولة المخزن" ولآلياتها الناظمة للمجتمع
اقتصاديا وترابيا وعلائقيا وطبقيا (خالد عليوة وآخرون، 1985. المكي بنطاهر
وآخرون، 1988. المعهد الجامعي للبحث العلمي، 1998. آلان روسيون وآخرون، 2000...)،
ولا ترى في الأحزاب السياسية ومكوناتها وديناميكيتها المجتمعية
والجماعية وأسلوبها القيادي "السلطوي"، إلا استمرارية لمنظومة
الزوايا والطوائف الدينية (عبد الله حمودي، 1999. نور الدين
الزاهي، 2001 ...)؛ ولا في التحولات والتغيرات الديناميكية والمشاريعية لدى كل
من الشباب والمرأة والأسرة، إلا اختلالات ولا توافقات وأعراض
مرضية "لا معيارية Anomiques" تتطلب العلاج والترشيد وإعادة التأهيل والاندماج (مصطفى حدية، 1988.
ربيع مبارك وآخرون 1993 ...). وهو ما يدل "معرفيا" على
هيمنة الأنساق الفكرية والتنظيرية و"المعيارية"، المنشطة
بإشكاليات وقضايا "الاستقرارية" و "الاستمرارية" وبالتوازنات "المعيارية" الناظمة
للمجتمع؛ والتي يندرج معضمها –في نظري- ايديولوجيا ومجتمعيا ضمن طروحات ومقاربات
براديغم "الضبط الاجتماعي".
3.1. النزعة الامبريقية-القطاعية:
1.3.1. من الايديولوجية التاريخية إلى ايديولوجية "الصفاء
الامبريقي":
في تقاطب مع النزعة التاريخية-المؤسساتية السالفة الذكر سنعاين مؤخرا في حقل
العلوم الاجتماعية، ظهور نزعة معرفية ومنهجية امبريقية-قطاعية، تهيمن
داخلها المناهج الكمية وتقنية "الاستمارة" بكيفية
مفرطة؛ وبالتالي انشغالات جمع المعطيات الميدانية الكمية الهادفة إلى وصف وتشخيص
الأوضاع القائمة، والتعرف على سماتها السائدة والكشف عن العلاقات القائمة بين
متغيراتها موضوع الدراسة. وقد زادت هذه الانشغالات الامبريقية حدة وانتشارا في هذا
الحقل، تحت الطلب المتزايد للعديد من المنظمات والهيئات الدولية المنشغلة بمجالات
التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب (USAID ;PNUD ;FNUAP ;OMS ;…). كل هذا، في ابتعاد ونفور حاد عن
الانشغالات والمرجعيات "النظرية" ومفاهيمها الاستكشافية وطروحاتها
الافتراضية، الموجهة عادة لاختيار نوعية الاجراءات والخطوات المنهجية والتقنيات
الميدانية "الملائمة"، والمؤطرة لنوعية التحاليل والتقارير الختامية،
مُكرسة بذلك معرفيا ومنهجيا، ما أسميه ب "إيديولوجية الصفاء
الامبريقي: l’idéologie
du purisme empirique". وهو ما سأقف عنده وسأعمل على تحليله
بكيفية أدق وأكثر تفصيلا، نظرا للمكانة المتميزة والمفضلة التي أصبحت تحتلها هذه
النزعة الامبريقية لدى الباحثين المغاربة، ولنوعية حدودها المعرفية وانزلاقاتها
الايديولوجية."
2.3.1. النزعة الامبريقية وحدودها المعرفية:
إن أهم ما أصبح يميز العلوم الاجتماعية بالمغرب خلال العقدين الأخيرين، هو
اللجوء الحاد إلى جمع المعطيات الميدانية عن طريق "الاستمارة" دون
مجهود نظري وإشكالي ومفاهيمي للظواهر المدروسة. أي أننا أمام مد امبريقي يحفزه
غالبا الطلب المؤسساتي الآني، الرسمي والدولي. وإذا كنا ندرك أهمية هذا الطلب
المؤسساتي والمجتمعي في حفز البحث العلمي في العلوم الاجتماعية، فإننا نعلم كذلك
بأن هذا الطلب وقضاياه القطاعية الشاغلة حتى تتحول إلى إشكاليات علمية واعدة،
فإنها تبقى في حاجة إلى الصياغة النظرية والمفاهيمية والافتراضية، التي بدورها
تحدد نوعية المناهج والتقنيات الأكثر ملاءمة لمساءلة الوقائع وجمع المعطيات والكشف
عن العلاقات الدالة القائمة بين "متغيرات" الظواهر
المدروسة.
إن "المرجعيات النظرية"، بطروحاتها ومفاهيمها
الاستكشافية وبفرضياتها العامة والإجرائية، تبقى أساسية أمام تعقد وتشتت الوقائع
المعاينة ميدانيا؛ وأمام تعدد التأويلات الممكنة وهيمنة المألوف منها والسائد
مؤسساتيا ومجتمعيا وذاتيا. كما أن هذا التركيز الحاد على جمع المعطيات الميدانية
وعلى معالجتها الإحصائية وتأويلاتها الواردة، في حقل العلوم الاجتماعية يضعنا
ابستيمولوجيا أمام إشكالية وانزلاقات "الوهم المعرفي l’illusion cognitive" للباحث، التي قد يعتبر بكون الأجوبة
المحصل عليها ميدانيا عن طريق الاستمارة ومعالجتها الإحصائية
وبياناتها الهندسية، تعكس وتعيد إنتاج "الحقيقة الاجتماعية" موضوع
الدراسة، وتمكنه بالتالي من الكشف عن نوعية العلاقات والآليات "الناظمة" لها.
إن دقة وخصوبة المعرفة العلمية في مجال العلوم الاجتماعية، لا تتوقف بالضرورة
على وفرة المعطيات الكمية التي يتم جمعها وبياناتها الإحصائية والهندسية ،بقدر ما
تتوقف على جودة ودقة هذه المعطيات في علاقتها المباشرة مع الطروحات النظرية
والنماذج الافتراضية التي قادت إلى جمعها ومعالجتها. ومن تم فإن هيمنة هذه النزعة
الامبريقية حاليا داخل حقل العلوم الاجتماعية، المنشغلة أساسا بجمع المعطيات
الأساسية الميدانية وتحليلها وتبويبها في شكل بيانات ومعارف وصفية أو تشخيصية
الظواهر المدروسة؛ والمتميزة بالتوظيف الحاد، بل والشبه أحادي لتقنية "الاستمارة"،
لمن شأنها أن تحد من خصوبة واكتشافات البحث العلمي في هذا الحقل،
وأن نحاصره بالانشغالات والاهتمامات الوظيفية الأداتية وفق نوعية الطلب المؤسساتي
واغراءات دفتر تحملاته وأهدافه الامبريقية.
وكأفضل دليل لهيمنة هذه النزعة الامبريقية القطاعية، الفاقدة للأرضيات
التنظيرية وللمفاهيم الاستكشافية وللفرضيات الإجرائية الناظمة للأبحاث والدراسات
العلمية المتخصصة، دراسات وأبحاث "التقرير" الصادر تحت
إشراف المعهد الجامعي للبحث العلمي حول أهم القضايا الشاغلة
حاليا في الحقل الاجتماعي "Rapport du Social 2000"، بحيث نلاحظ غيابا شبه كليا لمرجعية أو
لمرجعيات نظرية وافتراضية مؤطرة أو موجهة لأغلبية المساهمات الواردة في هذا
التقرير؛ في حين أن الجميع يدرك، على مستوى البحث العلمي، بأن تعقد الظواهر
المجتمعية وتنوع وتعدد المحددات والآليات الناظمة لديناميكيتها، تقتضي التسلح
بمرجعيات نظرية ثاقبة وبفرضياتها الاستدلالية والإجرائية الجريئة والواعدة، لتجاوز
مستوى "الوصف" الكمي للظواهر المدروسة والوصول إلى
مستوى "التفسير" و "التوقع"،
وبالتالي إلى مستوى "التدخل" على مجريات وقائعها
وسيروراتها بالكثير من الكفاءة والمصداقية. فبدون هذه المرجعيات النظرية والصياغات
الافتراضية، فإن تقنيات البحث الميداني تبقى أدوات "عمياء"،
والقرارات وأشكال التدخل المتولدة عن معطياتها ونتائجها تبقى "هشة" وغير
قادرة على البرهنة عن مصداقيتها الإجرائية وعن نجاعتها الميدانية داخل مجالات
التخطيط والبرمجة والتوقعات. وكما عبر عن ذلك العالم النفسي الاجتماعي كورت
ليفين K. LEWIN.ف "ليس هناك أكثر تطبيقا من
نظرية جيدة".
3.3.1. النزعة الامبريقية وخلفياتها الايديولوجية:
إن هيمنة هذه النزعة الامبريقية على حقل العلوم الاجتماعية مؤخرا، بالأوصاف
السالفة الذكر، أفرزت معها لدى العديد من الباحثين نوعا من النفور الحاد اتجاه
مرجعيات وإشكاليات "التنظير" والميل بالتالي إلى
الاكتفاء بالمقاربات المنهجية الامبريقية الكمية للظواهر المدروسة، القائمة أساسا
على جمع المعطيات الميدانية عبر تقنية الاستمارة؛ في ابتعاد شبه عام عما أصبح
يصطلح على تسميته ب "اللغو النظري".
وإذا كان لجاذبية وهيمنة هذه النزعة الامبريقية ما يبررها معرفيا ومنهجيا
ومؤسساتيا داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب، الذي طغت عليه وإلى فترة متأخرة
جدا المقاربات والمناهج التاريخية والأنثربولوجية وخلفياتها الايديولوجية؛ فإن هذه
النزعة الداعية إلى الاشتغال علميا بظواهر "الواقع" المجتمعي الملموس
وإعطاء الأولوية لجمع المعطيات الميدانية، للتعرف على مواصفاته وتشخيصاته
وسيروراته، عبر مناهج وتقنيات البحث الامبريقي، فإنها بدورها لا تخلو معرفيا
ومؤسساتيا ومجتمعيا من خلفيات ايديولوجية، أميل إلى نعتها معرفيا
وابستيمولوجيا ب "ايديولوجية الصفاء الامبريقي"؛ التي
تندرج غالبية أهدافها ضمن انشغالات وأهداف براديغم "الضبط
الاجتماعي"؛ ولكن هذه المرة في أبعاده ومناهجه وتقنياته "الأداتية instrumentale" و "التدبيرية gestionnaire". وهو ما من شأنه، وفي حالة استمرارية هيمنة
هذه النزعة الامبريقية الحالية، الحد من عطاءات العلوم الاجتماعية بالمغرب ومن
اكتشافاتها العلمية، وتحويلها مؤسساتيا ومجتمعيا إلى معارف وصفية وتبريرية،
وإلى ميدان للخبرة التقنية بل والبيروقراطية الجديدة.
2 مرجعية براديغم "التغير
الاجتماعي" وأهمية المناهج "الكيفية":
من خلال هذه المقاربة
الابستيمولوجية لأهم الانشغالات والمقاربات والمناهج السائدة، ندرك كيف أن حقل
العلوم الاجتماعية بالمغرب معرفيا وسوسيولوجيا هيمنت عليه –وبالتالي على أغلبية
باحثيه- انشغالات وإشكاليات براديغم الضبط الاجتماعي، لاعتبارات
معرفية واجتماعية وإيديولوجية في نفس الوقت. وكيف أننا انتقلنا مرحليا من
استراتيجيات ومقاربات معرفية "مفضلة" بل و "متقاطبة"؛
تمثلت في سيادة المقاربات التاريخية والسوسيو-ثقافية، والشغف بالوقائع
والأحداث "الماضوية" وبرواياتها وبآلياتها "العلية"،
لننتقل وخلال العقدين الأخيرين إلى سيادة المقاربات الامبريقية، والشغف بجمع
المعطيات الميدانية الكمية وبالتوظيف المفرط لتقنية "الاستمارة" لدراسة
مختلف الظواهر والقضايا المجتمعية الشاغلة، وللاستجابة لنوعية الطلب المؤسساتي
المتزايد –الوطني منه والدولي- في مجالات التشخيص والتخطيط والبرمجة. وهذا ما
يجعلنا نقف على معطى سوسيو-ابستيمولوجي هام، وبالتالي "سوسيو-معرفي socio-cognitif"، وهو: أن لكل مرحلة مجتمعية قضاياها
وظواهرها المعرفية والمجتمعية الشاغلة، ومقارباتها ومناهجها السائدة التي تتلاءم
أكثر مع نوعية الظواهر المجتمعية المدروسة؛ والتي تستجيب وتجيب كذلك على
نوعية "الطلب" المؤسساتي الذي طغت عليه في المغرب،
ولحد الآن انشغالات ورغبات وأنساق منظومات مرجعية "الضبط
الاجتماعي".
إلا أن نوعية وإيقاع التحولات المجتمعية التي أصبح يعرفها المجتمع المغربي،
والمكانة المتميزة التي أصبح يحتلها – أكثر فأكثر- الفرد "كفاعل
اجتماعي"، وديناميكية "المشروع المجتمعي الديمقراطي" وآلياته
الإجرائية المتمثلة في الانفراج السياسي المتزايد، وفي الولوج إلى العديد من
المنظمات وجمعيات "المجتمع المدني" الفضاء
المجتمعي-التنموي، وفي اتساع فضاءات حرية التعبير الفردي منه والجماعي، ، وبروز
العديد من الحركات والتجمعات "البؤرية" المُطالبة "بالتغيير" في
كل من الحقل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، مثل الجمعيات النسائية
وجمعيات الشباب العاطل وجمعيات حقوق الإنسان وجمعيات محاربة الرشوة ...إلخ؛ كلها
ظواهر وعوامل مجتمعية فاعلة، تجعل اليوم من إشكالية وديناميكية "التغير
الاجتماعي" بمعناه الواسع، مكونا أساسيا لديناميكية المجتمع المغربي
ولتطلعاته المستقبلية ولمشروعه الديمقراطي؛ وبالتالي لاهتمامات وانشغالات الباحثين
في حقل العلوم الاجتماعية.
ومن هنا تأتي في نظري، أهمية المناهج "الكيفية" وتقنياتها،
من "مقابلة" و "دراسة الحالة" و"المجموعة
البؤرية" وغيرها. لماذا؟، لكونها تبقى أكثر ملاءمة لدراسة ظواهر
ومظاهر التغير الاجتماعي، وللتعرف على ديناميكية الفاعلين الاجتماعيين
داخل مختلف الفضاءات المجتمعية الدالة، حسب نوعية مواقفهم وقناعاتهم ومشاريعهم
وأشكال ممارساتهم وتفاعلاتهم ...إلخ. كما أن أغلب هذه التقنيات "الكيفية" تموقعنا
معرفيا وميدانيا داخل "الفضاءات التواصلية المفتوحة" و "الحميمية" كذلك،
بخلاف تقنية "الاستمارة"؛ وهو ما يجعلها أكثر ملائمة وقدرة
على دراسة أهم الظواهر المجتمعية المتميزة بحساسيتها وتجلياتها المعيشية والحميمية
والتشاركية والمطلبية والمشاريعية والتجديدية، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي
أو المؤسساتي. وهذا النهج أو التوجه الجديد نحو توظيف المناهج الكيفية وتقنياتها
مجتمعيا، لدراسة والتعرف على ظواهر ومظاهر "التغير الاجتماعي"،
هو ما أصبحنا نعاين اليوم العديد من تجلياته ومؤشراته وبكيفية متميزة على مستوى
كتابات ومؤلفات "السيرة الذاتية"، ومن خلال حوارات وملفات
الصحافة الوطنية بالنسبة للعديد من القضايا المجتمعية المعيشية والأسرية والمنهجية
والاقتصادية والسياسية الشاغلة، وعلى مستوى قضايا وأوراش "التحسيس" والتوعية
والتربية "المدنية" وتغيير العقليات والممارسات.
وهذه كلها مؤشرات مجتمعية دالة، تشير إلى أن العلوم الاجتماعية بالمغرب ستلج
أكثر فأكثر الفضاءات المجتمعية المعيشية والحميمية والتشاركية والمطلبية
والتجديدية، وستجد نفسها أمام ديناميكية واستراتيجيات "الفاعلين
الاجتماعيين" ونوعية "مشاريعهم" الفردية
والجماعية والمؤسساتية، وأمام قضايا وآليات "التنظيم والتدبير
الذاتي" المجالي والأسري والثقافي والاقتصادي والسياسي ...إلخ؛
والتي ستموقعنا أكثر فأكثر تنظيريا ومنهجيا وممارسة، داخل اهتمامات وانشغالات براديغم "التغير
الاجتماعي". وهو ما لا تستطيع المناهج الكمية عن طريق تقنية "الاستمارة" استيفاءه
والقيام به ميدانيا ومعرفيا بالكثير من الدقة والمصداقية والتوقع، على المستوى
الفردي والجماعي والثقافي والمؤسساتي، نظرا لمكوناتها الأداتية وآلياتها التواصلية
وبنيتها المعرفية.
2.1. ديناميكية التغير الاجتماعي وحدود تقنية الاستمارة:
إن المناهج الكمية في حقل العلوم الاجتماعية الموظفة لتقنية "الاستمارة"،
غالبا ما تبين عن محدوديتها المعرفية في التعرف والكشف عن "ديناميكية"
التغير الاجتماعي في مرجعياته وآلياته "البؤرية" الفاعلة
في العديد من المجالات والفضاءات المجتمعية، وبالتالي عن محدوديتها في الكشف عما
يسمح أو يمكن من تفعيل هذا "التغيير" مجتمعيا. وذلك
عائد من ناحية إلى "بنية" أداة "الاستمارة" المغلقة
التنظيم والوحدات القياسية وآليات التواصل، وإلى نوعية مقاربتها الوظيفية
الأداتية- الاستجوابية. في حين أن دراسة "بؤر" و "آليات" ديناميكية
التغير المجتمعي، تقتضي مقاربات منهجية وتحليلية أدق وأكثر نفوذا إلى فاعلية
واستراتيجيات ومشاريع "الفاعلين الاجتماعيين"، ولعلاقاتهم
الاجتماعية البين-فردية والجماعية والتنظيماتية؛ وبالتالي إلى مناهج أكثر انفتاحا
وتواصلا ومشاركة، وإلى تقنيات قياسية أكثر حساسية وقدرة على تقصي والتقاط "بؤر" و "متغيرات" مصادر
وآليات ديناميكية التغير الاجتماعي وسيروراته.
2.2. البعد السوسيو-معرفي للمناهج الكيفية:
إن هذه المقاربة الابستيمولوجية "المقارنة" وتساؤلاتها
المعرفية، حول مدى ملاءمة المناهج الكمية والتقنية "الاستمارة" لدراسة
العديد من ظواهر وقضايا المجتمع الشاغلة وخاصة ظواهر التغير الاجتماعي، تقودني إلى
الحديث نظريا ومنهجيا-ولو بكيفية مختصرة- عن أهمية "المناهج
الكيفية" وعن ديناميكية تقنياتها "التفاعلية-التواصلية". وأخص
بالذكر هنا كل من تقنية "المقابلة الفردية" وتقنية "المجموعة
البؤرية"، على اعتبار أنها تموقعنا منهجيا وميدانيا داخل فضاءات "التواصل
المفتوح" المتميزة بديناميكية "الفاعل
الاستراتيجي" حسب طروحات CROZIER(1977) وديناميكية "الفاعل
المتعاقد" تواصليا حسب طروحات GHIGLIONE(1988)؛ والتي تبين لنا مدى أهمية المناهج الكيفية
وتقنياتها الميدانية في دراسة الظواهر المجتمعية الأكثر حركية والأكثر حساسية
ودلالة في حياة الأفراد والجماعات، وفي الحصول على المعطيات الميدانية الأكثر
مصداقية ودقة وعمقا ودلالة، على المستوى الشخصي والجماعي والثقافي والمؤسساتي.
وهذا ما يضعنا معرفيا ومنهجيا ومجتمعيا، داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب،
أمام إشكالية أساسية تتعلق ب "مكانة المبحوث" كفاعل
اجتماعي بين المهام والوظائف "الإخبارية" والمهام
والوظائف "التشاركية"؛ وكذلك أمام مهام ووظائف المناهج
والتقنيات "الكيفية" بين الأهداف المعرفية –الاستكشافية والأهداف التفعيلية-التغييرية،
على اعتبار أن العديد من المناهج الكيفية وتقنياتها الميدانية لا تقف أهدافها
العلمية عند مستوى الدراسة والمعاينة الميدانية والوصف والتشخيص، وإنما تتعداها
إلى مجالات: التحسيس والمشاركة والتفعيل والتأهيل والتدخل والعلاج والتغيير.
3 المناهج الميدانية الكيفية
وديناميكية التغير الاجتماعي:
إذا نظرنا إلى المناهج الميدانية "الكيفية" داخل
حقل العلوم الاجتماعية وإلى تقنياتها المتميزة، كتقنيات "المقابلة
الغير موجهة" (ROGERS) مثلا، وتقنيات "ديناميكية
الجماعة" (LEWIN)، أو تقنيات "السيكو
والسوسيو-درام" (MORENO) ...إلخ؛ فإننا سنلاحظ بأن نشأتها
وانتشارها واستثماراتها المجتمعية المعرفية منها والمهنية المدنية، قد ارتبطت
تاريخيا بفترات "التغير الاجتماعي". ولا أدل على ذلك من أن
هذه المناهج والتقنيات قد عرفت تداولا وانتشارا مجتمعيا متميزا مع نهاية الحرب
العالمية الثانية في كل من الولايات المتحدة وأروبا، على يد رواد "منظرين" و "ممارسين" أمثال: ك.
روجرس C.
ROGERS ، وك.
لفينK. LEWIN ، و ج. مورينو MORENO.J. مما سيجعلها تتبوأ مكانة رائدة على
مستوى البحث والممارسة في مجالات ديناميكية "التنظيمات" والعلاقات
الاجتماعية، وأشكال "القيادة" والسلطة المؤسساتية
و "أساليب" دمقرطتها، ومجالات ديناميكية "المجموعات
الصغرى" وقضايا "تغير العقليات والممارسات" السائدة،
وفي مجالات "العلاج النفسي" الفردي منه والجماعي،
ومجالات "العمل الجمعوي" المدني ...إلخ. كما سنلاحظ
لاحقا بأن هذه المناهج والتقنيات الكيفية ستحتل مكانة متميزة داخل "الجامعة
الفرنسية" في حقل العلوم الاجتماعية، على مستوى البحث العلمي والممارسات
المهنية (1966ARIP. 1967, LAMPASSADE). وفي اهتمامات وانشغالات التنظيمات
الطلابية"، ضمن ما عرف ب "جيل 68"، في مجالات
التواصل والتعبير وإبداء الرأي وتغيير العقليات وطرح البدائل الثقافية والمؤسساتية
والمشاريعية ضمن "مشروع مجتمعي بديل". وهذا ما سيجعل هذه
المناهج والتقنيات "الكيفية" تعرف لاحقا توظيفا متميزا لها في قطاعات
مجتمعية حيوية، كقطاعات التربية والإدارة والمقاولة وفي مجالات التنمية
الاجتماعية، ضمن ما أصبح يعرف الآن بديناميكية وثقافة "التغير
المحكم le
changement maitrise " واستراتيجيات التدخل لتفعيل وتأهيل الموارد البشرية ولتغيير
العقليات ولترسيخ ثقافة التجديد والمبادرة وأساليب
التنظيم والتدبير الذاتي الفردي منه والجماعي المؤسساتي.
3.1. تقنيات المناهج الكيفية وأسس آلياتها النفسية-الاجتماعية:
إن كل تقنية ميدانية في حقل العلوم الاجتماعية، تبقى في احدى مكوناتها
الأساسية أداة للتواصل والتفاعل البيني، الثنائي أو الجماعي. وهو ما يموقعنا كذلك
معرفيا ومنهجيا ووتواصليا أمام تمثلات ومواقف واستراتيجيات "المبحوثين" كفاعلين
اجتماعيين، وأمام "كفاءة" الباحث التواصلية والتدبيرية
لمجريات هذه الوضعية "التواصلية-التفاعلية".
ومن خلال هذه الأسس والأبعاد التفاعلية-التواصلية الملازمة لكل بحث ميداني
ولتقنياته ،نكون بالضرورة أمام ثلاثة مكونات نفسية اجتماعية ناظمة:
1. المكونات
المعرفية Cognitifs
2. المكونات
الوجدانية Affectifs
3. المكونات
التفاعلية Interactifs
إن هذه الأبعاد والمكونات النفسية الاجتماعية الملازمة لتقنيات
المبحوث الميدانية، تجعلنا ندرك بأن الأمر لا يتعلق بمجرد إجراءات أداتية تقنية
وقياسية، وإنما تتعداها لتمس قضايا "التواصل" و "التعاقد" و "استراتيجيات" المبحوثين
ونوعية "المناخ النفسي-اجتماعي"، وعدة متغيرات أخرى. على
اعتبار أن مثل هذه الأوضاع الميدانية وإجراءاتها المنهجية وآلياتها التواصلية
التفاعلية، تضعنا أمام "فاعلين استراتيجيين" (CROZIER, ibid) المتواجدين داخل إطار اجتماعي
وثقافي "معرفي" ديناميكي، قائم أساسا على "تعاقد
تواصلي" له قواعده وآلياته الناظمة له ولشروط استمراريته أو
فسخه (GHIGLIONE,
ibid) ...إلخ. فمن لم يقف أثناء قياسه بأبحاثه الميدانية على مواقف
واستراتيجيات الحيطة والحذر، وعلى مواقف وسلوكات التوقفات والتساؤلات الصامتة
ومشاعر وتعابير الحرج، وتجنب الإجابة على بعض الأسئلة، بل والامتناع أحيانا حتى
على مواصلة الإجابة على بنود الاستمارة أو المقابلة.
كما أن العديد من نظريات ودراسات علم النفس الاجتماعي المعرفي، تبين لنا بأن
الإنسان ككائن معرفي-اجتماعي يميل مجتمعيا ويبحث تلقائيا على الظهور بمظهر الشخص
العارف والمتناغم والمتجانس الآراء والمواقف والقناعات (1984, MOSCOVICI). وبالتالي فهو ينزع تلقائيا إلى بلورة
وإعطاء الأجوبة المعبرة على المواقف والأفكار والقناعات والقيم المتجانسة
والمتناغمة، والابتعاد بالتالي عن الإدلاء بالأجوبة والمواقف والقناعات المتعارضة
والمتناقضة مع مرجعيته "المعيارية" الفردية منها أو
الجماعية، وذلك لما تحدثه لديه من "نشوز معرفيdissonance cognitive " (1974, POITOU). وهذا ما يجعلنا نقف في العديد من
المناسبات على المفارقة القائمة بين ما يصرح به "المستجوب" في مثل هذه
الأوضاع الميدانية وما يفعله ويمارسه من سلوكات ويبديه من مواقف وقناعات
"مغايرة"، أكثر دقة ومصداقية، في أوضاع أخرى اتجاه نفس الموضوع. وهو ما
يصعب غالبا تجنبه ميدانيا والحد من سلبياته المعرفية عندما يتعلق الأمر بالدراسات
الامبريقية المعتمدة أساسا على تقنية "الاستمارة".
من خلال ما تقدم، ندرك بأن المناهج الميدانية وتقنياتها، في حقل العلوم
الاجتماعية، تضعنا إجرائيا أمام وضعية نفسية اجتماعية تفاعلية ديناميكية. فمن
الناحية التفاعلية-التواصلية، "الباحث" ميدانيا،
يجد نفسه في وضعية التقابل المباشر "وجها لوجه"؛ وهي وضعية
كما نعلم- لها مكوناتها وآلياتها واستراتيجياتها المعرفية الوجدانية والعلائقية،
تولد تلقائيا –ولو في البداية- لدى "المبحوث" مواقف
دفاعية واستراتيجيات معرفية للإجابات السطحية والنمطية العائمة؛ في حين أن هذه
الآليات والاستراتيجيات "الدفاعية" للمبحوث تزداد "حدة" مع
حساسية وحميمية الأسئلة ومعلوماتها؛ والتي تبقى من الأهمية بما كان القدرة على حسن
تدبيرها والعمل على تعطيل مفعولها لصالح آليات واستراتيجيات أكثر تلقائية وتعاقدا.
على اعتبار أن مصداقية ودقة المعلومات المحصل عليها داخل البحوث الميدانية تبقى
رهينة بجودة هذه التفاعلات والتبادلات التي تتم بين الباحث والمبحوث، وبنوعية
الظروف المجالية والاجتماعية التي أنجزت فيها هذه الدراسة، والتي قد تكون مصدرا
للارتياح والثقة المتبادلة أو مصدرا للحيطة والحذر والتستر.
إن هذه المقاربة النفسية الاجتماعية لديناميكية المناهج
الميدانية وتقنياتها، تبين لنا بأن مصداقية المعطيات الميدانية وبالتالي نتائجها،
تتوقف إلى حد كبير على القدرة على التحكم والتدبير المنهجي لعدة عوامل ومحددات
اجتماعية وثقافية ونفسية ميدانية، والتي لا يعيرها الكثير من الباحثين الامبريقيين
المغاربة ما يكفي من الأهمية التنظيرية والتقنينية والتدبيرية بكيفية "علانية publique"، أي بكيفية معلن عنها داخل بحوثهم
وإجراءاتها المنهجية والإنجازية. كما أنها تبين لنا بأن هناك "حدودا" منهجية
"موضوعية" لمستويات تدبير مثل هذه العوامل والآليات النفسية الاجتماعية،
في ارتباطها بنوعية التقنيات المستعملة. على اعتبار أن كل دراسة ميدانية تولد لدى
المبحوثين مجموعة من التمثلات والمواقف، حول أهدافها العلانية والضمنية، وعن
تبعاتها وعن نوعية مردوديتها وفوائدها ...إلخ؛ سواء قبل أو أثناء مرحلة جمع
المعطيات، والتي يتطلب حسن تدبيرها –ميدانيا وإجرائيا- فضاءات وآليات
التفاعل والتواصل الإيجابي مع المبحوثين، مجاليا وسيكولوجيا وأداتيا. وهو ما يصعب
غالبا توفيره والقيام به في البحوث الميدانية المعتمدة كليا على تقنية الاستمارة
مقارنة مع البحوث الموظفة لتقنية المقابلة أو لتقنية المجوعة البؤرية مثلا.
1.1.3 أهداف الباحث وتمثلات المبحوث:
مهما تكن أهداف الباحث العلمية والموضوعية والنبيلة، فإن المبحوث كفاعل
اجتماعي معرفي استراتيجي لا يتعامل بسذاجة وفطرة مع أهداف الباحث وأهداف
البحث المصرح بها. ومن هنا أهمية تمثلات وقناعات وافتراضات المبحوثين، والقدرة على
تدبيرها ميدانيا وسيكولوجيا من خلال فضاءات وأساليب الفضاء المفتوح، ومناخ الثقة
البينية، والظروف المجالية والاجتماعية الملائمة والباعثة على الاطمئنان، وصدق
الأهداف واحترام شروط "التعاقد" الصريح والضمني والكفاءة المهنية
...إلخ. على اعتبار أن صحة ومصداقية المعلومات المحصل عليها ميدانيا، تبقى
رهينة بمستوى جودة "التعاقد" و مشاعر"الثقة" التي
تقوم بين الباحث والمبحوثين، والقدرة على تفعيل "آليات التواصل
الإيجابي"، والتي تحد من دور "ثقل" الآليات
الدفاعية ومواقف الحيطة والحذر ومن الأجوبة المعيارية والعائمة ...إلخ.
2.3. مكانة "المبحوث" داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب،
بين المهام الاستجوابية-الإخبارية والمهام التواصلية-التشاركية:
من خلال ما تقدم، تبين لنا بأن قضية المناهج وتقنياتها الميدانية داخل حقل
العلوم الاجتماعية، تضعنا كذلك أمام إشكالية أساسية تتعلق "بمكانة"
المبحوث كفاعل اجتماعي، بالنسبة للقضايا موضوع الدراسة وفضاءاتها
وديناميكيتها المجتمعية. على اعتبار أن هناك مناهج وتقنيات ميدانية تحصر
مهام "المبحوث" ضمن وظائف تقنية: استجوابية-اخبارية،
وداخل فضاءات معرفية "مغلقة" الوحدات والبنية إلى حد
كبير، كما هو عليه الشأن بالنسبة لتقنية الاستمارة"؛ في حين أن
هناك مناهج وتقنيات ميدانية تموقعه ضمن وظائف "الفاعل المشارك" و "المبادر"
و "المقترح"، أي ضمن وظائف تفاعلية تشاركية بالنسبة للمواضيع والقضايا
موضوع الدراسة، كما هو عليه الأمر بالنسبة لتقنية "المجموعة
البؤرية" مثلا، ولوحداتها وبنيتها المفتوحة إلى حد كبير؛ على اعتبار
أن هذه التقنية تقوم معرفيا ومنهجيا وأداتيا على مبادئ وآليات المشاركة الفاعلة
وحرية إبداء الرأي والاختلاف، وعلى تبادل المواقف والخبرات الشخصية والجماعية،
وعلى "التعاقد الحر" على العمل بآليات ومسطرة الإنصات
المتبادل وبأسلوب "الحجاج" والإقناع وطرح "البدائل" بالنسبة
للقضايا موضوع الدراسة. وكلنا نعلم مدى أهمية هذه التقنيات الكيفية وفضاءاتها
وأسلوبها التشاركي في تفعيل وتحفيز الموارد البشرية، وتدبير الاختلاف وحل الصراعات
وتغيير العقليات، وفي بلورت المشاريع وتبادل الخبرات والكفاءات .. إلخ. وهو ما
يموقعنا معرفيا وتواصليا ومجتمعيا داخل ثقافة وديناميكية "التغير
الاجتماعي"، أكثر مما يموقعنا في ثقافة وديناميكية" الضبط
الاجتماعي".
ولا داعي هنا لأن أطيل عليكم فيما يتعلق بأدبيات وأساليب تدبير وتسيير "المجموعة
البؤرية"، وما يتطلبه ذلك ميدانيا من "الباحث-المنشط" من
كفاءة مهنية وقدرة على تفعيل ديناميكية الجماعة وتدبير الصراعات، والدفع قدما
بالجماعة إلى مواصلة الحوار والنقاش برغبة وحماس فردي وجماعي وإلى إغناءه
والمعلومات والمواقف والآراء الدالة والاقتراحات الإجرائية. فهناك زملاء سيتطرقون
بدون شك وتفصيل، إلى العديد من هذه الجوانب المنهجية والتدبيرية خلال هذا الورش
العلمي، ثم هناك عمل "مشترك" لكل من الأستاذ المختار الهراس
والأستاذ ادرييس بنسعيد ولي شخصيا حول أهم أسس ودعامات
تقنية "المجموعة البؤرية" يمكن الرجوع إليه في هذا
الباب (1998).
3.3. المناهج الكيفية وفضاءات التواصل والمشاركة:
1.3.3. فضاء "المقابلة"
كنموذج:
من مميزات المناهج الكيفية الميدانية وتقنياتها كتقنية "المقابلة
الغير الموجهة entretien
non directif" أو تقنية "المجموعة البؤرية focus-groupe"، هو أنها تموقعنا داخل فضاءات
التواصل المفتوح بمستويات ومتباينة الامتداد زمنيا وموضوعاتيا وتفاعليا؛
أي من الفضاء "المفتوح كلية" على مستوى المقابلة الغير موجهة، إلى
الفضاء "النصف مفتوح" زمنيا وموضوعاتيا على مستوى
المقابلة "الشبه موجهة semi-directif".
إن "فضاء المقابلة" هو فضاء التبادلات والتفاعلات
المباشرة "وجها لوجه"، المنتظم وفق منهجية دقيقة وأسلوب مرن
ومحكم الآليات، يقوم أساسا على الصياغات التساؤلية المفتوحة وعلى
أسلوب ومنهجية الإنصات اليقظ والودي والمحايد، وإعادة الصياغة
والاستفسارات الهادفة، حسب تداعيات الحوار وأهداف المقابلة؛ والتي تجعل "المبحوث" أكثر
استعدادا وقابلية للتحدث بتلقائية وحرية ومشارك، بالنسبة للقضايا والمواضيع الأكثر
دلالة وحساسية وحميمية بالنسبة إليه.
وهذه كلها سيرورات وآليات وسمات تغير موضوعيا وسيكولوجيا ومجتمعيا من "مكانة"
ودور "المبحوث"، بحيث تنقله من مكانة الشخص المستجوب ذوي
المهام الإخبارية داخل فضاءات "التواصل المغلق" كما هو
عليه الأمر عادة بالنسبة لفضاءات تقنية "الاستمارة"، إلى
مكانة الشخص المشارك" و "المبادر" و
"الفاعل" و "المتفاعل".
من خلال ما تقدم، ندرك بأن موضوع المناهج في حقل العلوم الاجتماعية، لا يمكن
إختزاله في مجموعة من الإجراءات التقنية-القياسية ومساطير التقنين –رغم أهميتها-،
على اعتبار أن هذه المناهج وتقنياتها الميدانية تموقعنا بالضرورة داخل وضعية نفسية-اجتماعية ديناميكية
ومركبة، تتفاعل فيها مكونات الإطار والمرجعية الاجتماعية-الثقافية حيث
تتم هذه الدراسة ميدانيا، ومواقف وتمثلات واستراتيجيات المبحوثين،
وتحيلنا إلى أهداف الدراسة وقضاياها الشاغلة ومرجعياتها
النظرية ونوعية التقنيات الموظفة وبنيتها الداخلية، ومدى ملاءمتها
ميدانيا لجمع المعطيات الأكثر فاعلية ودلالة داخل الظواهر المدروسة. على اعتبار،
وكما أشرنا إلى ذلك سابقا، بأن هناك ظواهر ومجالات مجتمعية يبقى من الصعب دراستها
ميدانيا والتعرف على آلياتها الفاعلة ووقائعها الدالة من خلال "تقنية
الاستمارة" مثلا، كأداة للقياس وجمع المعطيات الميدانية، رغم أن
تقنية الاستمارة لها محاسنها المنهجية والقياسية المتميزة على مستوى وفرة المعطيات
الميدانية ودقة معالجتها الإحصائية ووضوح بياناتها وسهولة توظيفاتها الإجرائية
والمجتمعية ...إلخ؛ لكنه منهجيا وإجرائيا ومعرفيا، فتقنية الاستمارة تشترط
بالضرورة من الباحث القيام بنوع من التنميط والتقنين "المعياري" للظاهرة
المدروسة ولمتغيراتها، لجعلها ميدانيا قابلة للقياس الكمي ولمعالجته الإحصائية؛
كما أن نمط بنيتها الداخلية "المغلقة" ونوعية وحداتها
القياسية، تحد إجرائيا من آليات وفضاءات التواصل التواصلي المفتوح مع المبحوثين
وتزيد بالتالي من احتمالية ثقل آلياتهم واستراتيجياتهم الدفاعية ...إلخ. وهذه كلها
عوامل وآليات تجعلها غير قادرة وغير مؤهلة لدراسة العديد من الظواهر المجتمعية،
والوقوف على العديد من مظاهر وإيقاعات "التغير الاجتماعي" الأكثر
تجديدا والأكثر عمقا.
من هنا تأتي أهمية المناهج الكيفية الميدانية في حقل العلوم الاجتماعية،
لكونها تمكننا من التعرف في نفس الوقت على الاتجاهات والسمات السائدة للظواهر
المدروسة، وعلى مجالات ونوعية التحولات الفاعلة مجتمعيا وفضاءاتها وجماعاتها "البؤرية"،
وشروط وظروف ظهورها واحتمالات امتدادها ...إلخ.
4. ظواهر وبؤر "التغير الاجتماعي" وأهمية المناهج
الكيفية الاستكشافية:
من أهم مميزات وسمات العديد من ظواهر ومظاهر "التغير
الاجتماعي" سوسيولوجيا وثقافيا، أنها ظواهر ومظاهر تنتظم في بدايتها
ضمن ما يعرف بديناميكية "الأقليات الفاعلة" (1979, MOSCOVICI). أي أنها في البداية تكون منحصرة على أفراد
قلة أو مجموعات "بؤرية" محدودة عدديا ومجاليا، تندرج
داخل خانات النادر والغير الدال إحصائيا.
لكن صفة "الأقلية" هذه لا تقلل في شيء من القيمة
والدلالة المجتمعية لهؤلاء الأفراد أو الجماعات البؤرية "المجددة" والفاعلة
مجتمعيا، منظور إليها من مقاربة وديناميكية "التغير الاجتماعي le changement social".
إلا أن الدراسات الكمية الإحصائية في علاقتها مع تقنية الاستمارة وقواعدها
ومعالجاتها الإحصائية المعتمدة على قيم معيارية مثل المنوال والمتوسط الحسابي
والوسيط...إلخ، عادة ما تتستر بل وتلغي في معالجاتها
ودلالاتها الإحصائية وجداولها النهائية كل ما هو قليل الانتشار وضعيف التكرارية.
وهو ما يجعلنا ندرك احدى جوانب حدود مثل هذه المقاربة الكمية ومعالجاتها الإحصائية
في حقل العلوم الاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بظواهر ومظاهر ديناميكية التغير
الاجتماعي، وبؤرها الدالة "كيفيا"، التي عادة ما
تبقى مستترة وفاقدة الدلالة بين ثنايا الأرقام ومعالجاتها
وبياناتها الإحصائية.
وكمثال على مصداقية ما أطرحه ما أطرحه من قضايا ابستيمولوجية ومعرفية المرتبطة
بنوعية المناهج وتقنياتها الكيفية والكمية، من حيث مدى ملاءمتها لنوعية الظواهر
المدروسة وقدرتها على استكشاف والتعرف على نوعية المتغيرات والآليات الفاعلة
والناظمة لديناميكيتها وسيروراتها الدالة "كيفيا"، سأخص
بالذكر هنا ظاهرة الهجرة الداخلية بالمغرب، والدراسة الوطنية التي قام بها فريق من
الباحثين المغاربة ضم كلا من الأستاذ المختار الهراس والأستاذ ادريس
بنسعيد والأستاذ عبد الرحيم عمران (1996-1997)، وهي الدراسة التي وظفت لأول
مرة داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب، وعلى الصعيد الوطني، تقنية "المجموعة
البؤرية" كتقنية مرجعية للدراسة والبحث.
ومن أهم تجليات هذه الدراسة الميدانية، فيما يتعلق بموضوع مداخلتي حول أهمية
المناهج الكيفية، هو أنها مكنت من التعرف والكشف المنهجي على العديد من مظاهر
وتجليات "التغير الاجتماعي" المرتبطة بديناميكية ظاهرة
الهجرة على الصعيد المحلي والجهوي والوطني، سأذكر منها على سبيل
الاستشهاد فقط ظاهرة "الهجرة القروية النسوية الموسمية" وتجلياتها
وإيقاعاتها المجالية والزمانية والمجتمعية. فمن أهم تجليات هذه الهجرة
الموسمية "الجماعية" و "المنتظمة" للمرأة
القروية، التي وقفنا على وجودها داخل عدة مناطق ترابية من المملكة، أنها
جعلتنا نتعرف بالكثير من الدقة والتفاصيل الميدانية على نوعية ديناميكية حركيتها
الترابية المتميزة، وعلى الكثير من سماتها ومميزاتها المشاريعية
الاقتصادية و "تأثيراتها" المحلية والجهوية؛
وبالتالي على الدور المتميز التي أصبحت تحتله هذه "الفئة
النسوية" القروية اقتصاديا وأسريا ومشاريعيا، سواء داخل فضاءاتها
الترابية المرجعية أو داخل المناطق والجهات الترابية التي تهاجر إليها
"موسميا". وهو الدور المتميز الذي عاينا بأنه يمتد كذلك حتى "الفتاة
اليافعة" القروية داخل وسطها الأسري سواء المهاجرة موسميا أو
المهاجرة مع أسرتها إلى المناطق الحضرية؛ وذلك مقارنة مع "الدور" والمكانة
التقليدية "المعيارية" لكل من "رب الأسرة" و "الإخوة
الذكور".
إن هذه الحركية- الترابية للمرأة المهاجرة، ومشاريعها وأنشطتها الاقتصادية
وتفاعلاتها الاجتماعية والثقافية، أنتجت معها تحولات وتغيرات "دالة" اقتصاديا
وعلائقيا وثقافيا، أشار إليها وركز عليها العديد من "المبحوثين" أثناء
هذه الدراسة الميدانية. مما جعلنا "كباحثين" نقف على العديد من "بؤر" ديناميكية
التغير الاجتماعي في العديد من المناطق القروية والمناطق الحضرية كذلك، ونتعرف
بالتالي على عدة مصادر وبؤر وسمات للتحولات المجتمعية "الدفينة"؛
أي تلك التي تعمل بعمق داخل البنيات والمؤسسات والعلاقات
الاجتماعية، ولكن بالكثير من "الصمت" و "السترة" الثقافية
والمجتمعية.
لكن قيمة هذه المعطيات
الميدانية و "بؤر" التحولات المجتمعية المرتبطة
بديناميكية ظاهرة الهجرة الداخلية، رغم أهميتها المعرفية بالنسبة لإشكاليات
وديناميكية "التغير الاجتماعي"، قد تبقى بدون دلالة
ابستمولوجية ومجتمعية بالنسبة لموضوع ورشنا العلمي هذا إذا لم أشير إلى أنني
وبالنسبة لموضوع الهجرة النسوية الداخلية، وحوافزها وسماتها وديناميكيتها
الاقتصادية والاجتماعية، لم أعثر وحتى سنة 1996-1997 على وجود يذكر لهذه الهجرة
القروية النسوية "المنتظمة موسميا" ولامتداداتها
الترابية؛ ولا للدور المتزايد اقتصاديا ومشاريعيا واستراتيجيا "للفتاة
اليافعة" داخل الأسر القروية المهاجرة إلى الحواضر؛ وما أصبحت مثل
هذه الظواهر والتحولات تولده من ديناميكية مجتمعية جديدة وتحدثه من تحولات دالة
على مستوى المحددات الفاعلة تقليديا داخل ديناميكية الهجرة الداخلية. هذا رغم
الدراسات والتقارير المتعددة والمتواصلة، التي أنجزت حول ظاهرة الهجرة الداخلية
بالمغرب، الموظفة أساسا لتقنية "الاستمارة"؛ سواء تلك التي
قام بها العديد من الباحثين المتخصصين بمركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية (CERED) أو تلك التي تمت تحت إشراف مديرية
إعداد التراب الوطني؛ والتي لم تبتعد في انشغالاتها ومقارباتها وفرضياتها عن طروحات
وثقافة ومعيارية براديغم "الضبط الاجتماعي"، رغم كفاءات الباحثين
وتنوع الاستمارات المستعملة ودقة المعالجات والبيانات الاحصائية. وهذا معطى معرفي
ذي أسس ابستيمولوجية دالة ثقافيا ومؤسساتيا، تبين لنا مدى التداخل القائم معرفيا
بين القضايا الشاغلة مجتمعيا و وعلميا؛ وبالتالي مدى أهمية المناهج الكيفية"
للعمل على تجاوز هيمنة طروحات ومقاربات ومناهج براديغم "الضبط
الاجتماعي" المهيمن حاليا داخل حقل العلوم الاجتماعية بالمغرب.
البيبليوغرافيا:
- المكي بنطاهر وآخرون (تنسيق). السوسيولوجيا المغربية المعاصرة. حصيلة وتقييم، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1988. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
- · عبد الله حمودي. الشيخ والمريد. ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1999.
- · مبارك ربيع وآخرون (تنسيق). علم النفس وقضايا المجتمع المعاصر، الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط، 1993. منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
- · آلان روسيون وآخرون. التحولات الاجتماعية بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2000. مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث.
- · نور الدين الزاهي. الزاوية والحزب، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2001
- · المعهد الجامعي للبحث العلمي. العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب. طروحات ومقاربات، مطبعة فضالة، المحمدية، 1998.
Association Pour la
Recherche et L’Intervention psychosociologique (1966). Pédagogie et psychologie
des groupes. Paris, Edition de l’Epi
ALIOUA,
K., et al. (1985). L’espace de l’Etat : Réflexions sur l’Etat au
Maroc et dans le Tiers-Monde. Rabat, EDINO
BACHER,
F. (1982). Les Enquêtes en psychologie. Lille, PUL. Tomes I et II.
BEAUVOIS,
J. L. (1984). La Psychologie quotidienne. Paris. PUF.
BEAUVOIS,
J. L., JOULE, R. (1981). Soumission et idéologies. Paris, PUF.
BLANCHET,
A., et al. (1985). L’entretien dans les sciences sociales. Paris,
Dunod.
BOURDIEU,
P., PASSERON, J. C. (1970). La reproduction. Paris. 2000. Rabat, OKAD.
CROZIER, M.,
FRIEDBERG, E. (1977). L’acteur et le système. Paris, Seuil.
Direction
de l’Aménagement du Territoire. (1998). Perceptions et attitudes des
élus et des responsables locaux à l’égard de la migration interne. Rabat.
DOISE,
W. (1982). L’Explication en Psychologie Sociale. Paris, PUF.
Fondation
Royaumont (1967). Le Psycho-sociologue dans la cité. Paris, Editions
de l’Epi.
GHIGLIONE,
R. (1983). Système de communication, contrats de communication. Champs
Educatifs, 4, 11-25.
·
GHIGLIONE,
R. (1985). Communiqué! Vous avez dit
communiqué? Psychologie Français, 30-1, 3-10.
GHIGLIONE,
R. (1986). L’Homme communiquant. Paris,
Armand Colin.
GHIGLIONE,
R., MATALON, B. (1978). Les enquêtes sociologiques.
Paris, Armand Colin.
HADDIYA,
E.M. (1988). Socialisation et identité.
Casablanca, Imprimerie Najah El Jadida.
JEDELE
T, D. (éd) (1989). Les représentations sociales.
Paris, PUF.
LAMPASSADE,
G. (1967). Psychologie et politique, in
Fondation Royaumont, (éd), le Psycho-sociologue dans la Cité. Paris, Editions
de l’Epi.
LE
MOINE, G., LE MOINE, P. (1972).
Le psychodrame. Paris, Robert Laffont.
LEWIN,
K. (1972). Psychologie dynamique.
Paris, PUF.
MATALON,
B. (1988). Décrire, Expliquer, Prévoir.
Paris, Armand Colin.
MILGRAM,
S. (1986). Soumission à l’autorité.
Paris, Calmann-Lévy.
MORENO,
J. L. (1954). Les fondements de la
sociométrie. Paris, PUF.
MORENO,
J. L. (1965). Psychothérapie de groupe et
psychodrame. Paris, PUF.
MOSCOVICI,
S. (1979). Psychologie des minorités
actives. Paris, PUF.
MOSCOVICI,
S. (éd) (1984). Psychologie Sociale.
Paris, PUF.
POITTOU,
J. P. (1974). La Dissonance cognitive.
Paris, Armand Colin.
ROGERS,
C. (1967). Le Développement de la
personne. Paris, Dunod.
ذ. عبد الرحيم
عمران
2004
جميع
الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟



Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire