المرحلة الانتقالية والمشروع المجتمعي الديمقراطي "الإكراهات والرهانات"





المرحلة الانتقالية والمشروع المجتمعي الديمقراطي
"الإكراهات والرهانات"


إن المشهد المجتمعي والسياسي في المغرب يعرف اليوم ديناميكية متجددة وواعدة، تجعلنا ننظر إلى المستقبل القريب منه والبعيد بالكثير من التفاؤل والثقة بالنفس، ونحلل الماضي وعقليته وملابساته وتعثراته بالكثير من التحسر والموضوعية.
إن كل تغيير سياسي ومجتمعي، يقتضي تغييرا في المواقف والقناعات والممارسات، وبالتالي اختيارات جديدة  وأفكار ومشاريع مغايرة. وهو ما أصبحنا نعبر عنه اليوم ب "العهد الجديد" ورهاناته؛ إلا أن ثقافة وبنى عقلية الماضي ونظامها المجتمعي، أي ما أصبحنا نصطلح على تسميته بثقافة وعقلية "العهد القديم"، وما زالت حاضرة بقوع على مختلف فضاءات ومؤسسات المجتمع. مما يقتضي منا قدرة وجرأة في التحليل والنقاش للوقوف على ديناميكية المجتمع المركبة والمعقدة، في ظل المعادلات الصعبة المتجددة بين ثقافة وآليات "الضبط الاجتماعي" وثقافة وآليات "التغيير".

-        مرحلة الانتقال الديمقراطي: دلالاتها ورهاناتها.
إن الإقرار بأن المغرب يوجد اليوم في مرحلة الانتقال الديمقراطي، يعني أننا نتموقع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا داخل مرحلة تنقلنا من منظومة مجتمعية "لا ديمقراطية" إلى منظومة "ديمقراطية"، وفق "مشروع" متميز الأهداف والأولويات والثقافة والممارسات. فما هي مكونات وأسس كل منهما؟ إن أهم مكونات ومميزات المرحلة السابقة "اللاديمقراطية" – أو ما يمكن أن نصطلح على تسميته مجازا ب "العهد القديم" -، هو أن منظومتها المجتمعية تبقى بالأساس "منظومة سلطوية" الثقافة والممارسات، على المستوى السياسي والتربوي والاجتماعي والاقتصادي، المطبوعة بعقلية وأسلوب "الاستبداد" بالرأي والقرار والتدبير والتسيير. وفي ثقافة وممارسة "سلطوية"، انتظمت من خلالها، وإلى فترة متأخرة،مختلف أشكال السلطة مجتمعي، وبالتالي أشكال العلاقات والممارسات والمعاملات المؤسساتية التربوية منها والمهنية والإنتاجية والإدارية والسياسية، والتي رسخت عند غالبية الأفراد والجماعات سيادة مواقف المسايرة والتبعية والخضوع والانتظارية والاتكالية، ومشاعر الإحباط والخوف وعدم الثقة بالنفس. فمن أهم سلبيات الثقافة والممارسات "السلطوية" مجتمعيا، أنها تكبح وتلغي مكونات السلوك الإرادي ومشاريعه، وثقافة المبادرة والتنظيم والتدبير الذاتي الفردي منه والجماعي، وفضاءات حرية التعبير والتواصل المفتوح وتدبير الاختلاف ...إلخ.
ومن هنا فإن الانتقال من "المنظومة الديمقراطية"، تعني مجتمعيا الخروج من هيمنة هذه المرجعية السلطوية، على مستوى مختلف القطاعات والممارسات السالفة الذكر. وبالتالي القيام بتغيير جوهري على مستوى بنية وآليات وأسلوب "السلطة" وعلاقتها وثقافتها داخل أجهزة الدولة وداخل بنية المؤسسات التربوية والاجتماعية والمهنية والإنتاجية والسياسية.
إن منظومة "العهد القديم"، تبين لنا اليوم، بأن نظامنا المجتمعي لفي شموليته، تميز بالكثير من آليات الضبط والمراقبة والضغط والترويض المؤسساتي، وبقلة فضاءات وثقافة وحرية التعبير والاختلاف، وبغياب النهج التشاركي وثقافة المشروع المجتمعي، وبيداغوجية السلوك الإرادي والتنظيم والتدبير الذاتي...إلخ. وهو ما يقتضي اليوم العمل وفق ديناميكية مجتمعية حديدة وآليات مغايرة ناظمة للعقليات والممارسات، أكثر ففاعلية وجرأة ومرونة وحرية ومشاركة.

-        المشروع المجتمعي الديمقراطي: أسسه آلياته ورهاناته
إن كل مجتمع ديمقراطي المشروع والثقافة والممارسات، إلا ويقوم في إحدى مرتكزاته ودعاماته الأساسية على مبادئ التعددية وحرية الرأيوأحقية الاختلاف، ومبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ونبد الإقصاء، وثقافة تدبير الاختلاف عن طريق الحوار والتفاوض والتعاقد.
وفي ظل التحولات الكبرى والسريعة، التي يشهدها العالم من حولنا، من خلال تراكم عديد من الاختلالات والإكراهات المجتمعية البنيوية، وطنيا وجهويا ومحليا، أصبحنا في حاجة ماسة إلى دينامية وتوازنات جديدة في مجالات الحريات العامة، والتعليم، والتشغيل، والصحة، والسكن ، والعدالة الاجتماعية، والاستثمار والتنظيم والتدبير الذاتي، والمشاركة الفعلية للمواطنين في الشأن العام والخاص ...إلخ؛ فمجتمعاتنا اليوم، هي مجتمعات "ديناميكية التغيير" وز "التحول"، أكثر مما هي مجتمعات "السكون" و "الاستقرارية الدائرية" وإعادة الإنتاج". ومن نها تأتي أهمية "المشروع المجتمعي الديمقراطي" ورهاناته وأوراشه وإنجازاته الواعدة، سياسيا مجتمعيا وتنمويا. ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه داخل هذه المرحلة الانتقالية، هو أين نحن من ثقافة "المشروع المجتمعي الديمقراطي" ومؤسساته وعقليته ومؤسساته؟. إن رهانات "دمقرطة المجتمع المغربي"، لم تعد بالنسبة إلينا قضايا "نخبوية" أو "قطاعية" قابلة بأن ترهن ضمن الشعارات السياسية وطقوس مواسمها الانتخابية، وإنما هي رهانات معبرو اليوم عن مشروع مجتمعي متكامل، لا بديل عنه، ثقافيا وتربويا وتنمويا وسياسيا. لماذا؟ وكيف؟.

-        الانتقال الديمقراطي وثقافة المشروع المجتمعي:
         إن الإجابة المعرفي والمنهجية من هذه الاستفسارات، تتطلب منا أولا الوقوف على أهم محتويات وأبعاد "المشروع" في مرجعيته الديمقراطية، بالنسبة للمجتمع المغربي سياسيا وتنمويا وثقافيا ومدنيا.فما هي دلالة ومحتوى "المشروع المجتمعي"؟.
إن "المشروع" أولا، يحيلنا إدراكيا ومعرفيا وزمنيا، إلى وضوح وبعد "الرؤيا". أي امتلاكنا "لرؤية شاملة" تحدد الأهداف والتوجهات المستقبلية، وتضع وترتب الأسبقيات، وتحدد استراتيجية إنجازية داخل أفق زمني. و "المشروع" بهذا المعنى والمحتوى، هو آلية أساسية محفزة للسلوك الإرادي ولدعاماته البنيوية من: اتخاذ القرار والتخطيط والتدبير والمبادرة ومواصلة الجهد والمثابرة في تدليل الصعاب ...إلخ، سواء على المستوى المجتمعي ككل، أو على مستوى المؤسسات، أو على المستوى الجماعي أو الفردي.
وعندما تكون في وضعية "انتقالية" مجتمعيا، فإن أهم وسيلة للخروج من "اللامعيارية" L’anomie، ومن مواقف "ضبابية الرؤيا"، ومن مشاعر التخوف من المستقبل، والتردد في اتخاذ القرارات الإجرائية والجريئة، هو العمل وفق ثقافة ومنهجية "المشروع المجتمعي"، الحامل لرؤية شمولية وواضحة، بأهدافه وتوجهاته المستقبلية، وبأولوياته وإصلاحاته المحددة، وبمخططاته وبرامجه الفعلية ...إلخ. إلى درجة أن أهم ما يميز المجتمعات المتقدمة والديمقراطية، هو امتلاكها لما يعرف "بثقافة المشروع". وأهم ما يميز المرحلة الحالية بالمغرب، هو وعينا وعملنا على ترسيخ وتدعيم أسس ودعامات "ثقافة المشروع المجتمعي" في صيغته ومرجعيته الديمقراطية.
وكل انتقال جوهري من هذا النوع يقتضي، كما نعلم، ما يعرف بتغيير العقليات والممارسات بكيفية بنيوية. خاصة وأن أهم ما كان يميز ثقافة العصر القديم، هو افتقادها لمثل هذه الثقافة المشاريعية، وبالتالي افتقادنا لأسس وبنى المشروع المجتمعي الديمقراطي وإنجازاته.

-        منظومة العهد القديم ومغرب المفارقات:
لقد بينت لنا اليوم مختلف التشخيصات الوطنية منها والدولية، بالكثير من الكفاءة والموضوعية العلمية، بأن منظومة العهد القديم بثقافتها وممارساتها "اللاديمقراطية" شكلت أهم مصدر من مصادر الاختلالات والمفارقات التي تراكمت لحد الآن تربويا واجتماعيا وترابيا واقتصاديا وسياسيا. فمن غرائب ما يميز المجتمع المغربي حاليا، رغم برامجه التربوية المتعاقبة، هو أنه مجتمع المفارقات، بين مدنه وأريافه وبين أغنياءه وفقراءه، وبين شبابه وكهوله، وبين نخبه وقواعده، وبين رجاله ونساءه، وبين موارده وإنتاجاته ...إلخ. فجميع هذه التشخيصات، والتي شملت عدة قطاعات حيوية: كالتعليم والإدارة، وإعداد التراب الوطني، والجماعات المحلية، والصحة والتشغيل والمقاولة...إلخ، تبين لنا بأننا نوجد داخل "مغرب المفارقات". بحيث وصلت نسبة الفقر إلى أكثر من خمس ساكنة المملكة، ونسبة الأمية إلى نصف السكان، وظاهرة الهدر الدراسي وصلت إلى حد لا يطاق، وعرفت ظاهرة البطالة تفاقما وحدة متواصلة بكيفية أصبحت تقلقلا وتخيف أغلبية أفراد وشرائح المجتمع، وكذلك ظاهرة الهجرة،، بما فيها الهجرة السرية وهجرة الأدمغة إلى الخارج، وتفاقمت واستفحلت ظواهر البيروقراطية والرشوة والاغتناء الريعي والسريع، وتقلصت فضاءات الحريات العامة وغابت ثقافة حقوق الإنسان، وثقافة المجتمع المدني، إلى غير ذلك من مظاهر وظواهر المفارقات والاختلالات البنيوية، والتي أصبح الاطلاع عليها اليوم، يولد لنا مجتمعيا وسيكولوجيا ما يعرف ب "الوعي الشقي". وعندما نكون أمام وضعية مجتمعية معقدة بهذا الشكل، فإن الرهان على ترسيخ ثقافة المشروع المجتمعي الديمقراطي وديناميكية وآلياته وتوازناته، يبقى في نظري، الرهان الأمثل والأقدر على الحد من هذه المفارقات والاختلالات السالفة الذكر، وعلى تحقيق تنمية مستديمة وعادلة، ورفاهية مجتمعية شاملة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا.

-        المجتمع الديمقراطي: مشروعه وثقافته:
إن "الديمقراطية" مجتمعيا، في إحدى مكوناتها وتعاريفها الإجرائية، هي عبارة عن ثقافة متقاسمة"، أي مجموعة من القيم والمواقف والقناعات والممارسات، وأساليب التفكير والحياة "المتقاسمة" بين مختلف المواطنين ومؤسساتهم المرجعية. أهميتها وإجرائيتها، تتمثل في كونها "المنظومة" و "المرجعية" المجتمعية والسياسية "الأمثل" و "الأنجع" للتواصل والتفاعل والتعايش والتعاقد، ولتدبير الاختلافات والصراعات ولتنمية المجتمع، وإسعاد المواطن وضمان مشاركته الفعلية والإرادية في تدبير الشأن العام والخاص.
إن الديمقراطية من هذا المنظور، أي كثقافة وممارسة وأسلوب، تمثل اليوم المنظومة والنهج المجتمعي الأفضل والأمثل للتنمية المجتمعية الشاملة، والاستقرار وللمشاركة الفعلية للمواطن، ولإبداء الرأي والاجتهاد والتخطيط إلى ماهو أفضل ومن هنا فهي تجسد المنظومة والثقافة الأكثر ملاءمة لمكونات العنصر البشري ومجتمعاته وحاجياته الأساسية.
والديمقراطية "مجتمعيا" تحيلنا بالضرورة، إلى وجود "مشروع مجتمعي" الحامل لرؤية شمولية، ولتوجه استراتيجي، ولمنظومة من القيم والقواعد والتمثلات والممارسات، وكذلك لمنهجية تدبيرية وإنجازية "تشاركية" و "تحفيزية" على المستوى الفردي والجماعي والمؤسساتي، تهدف جميعها إلى رفاهية المجتمع وإسعاد المواطن وانصهاره، وفق مشاريعه وإرادته وإنجازاته وحقوقه الفردية منها والجماعية.
ولكن هذا المشروع المجتمعي الديمقراطي وثقافته، حتى تصبح دالة وإجرائية على أرض الواقع، وناظمة للمجتمع، لا بد لها أن تتحول إلى مجموعة من القيم والتمثلات والممارسات والأساليب المتداولة والسائدة داخل مختلف مجالات ومرافق الحياة اليومية والأسرية والتربوية والمهنية والاقتصادية والسياسية. أي أن تتحول إلى قواعد ومعايير موجهة وناظمة للممارسات ولأساليب الحياة ولأشكال التعاقد المجتمعي المؤسساتي منه والجماعي والفردي.
لهذا وحتى نضمن لمجتمعنا المرور الفعلي إلى مرحلة الاستقرار الديمقراطي وثقافته وديناميكيته المجتمعية، لا بد لنا من مشروع مجتمعي ديمقراطي، الحامل لرؤية شمولية، ولتوجه استراتيجي بأهداف وغايات واضحة ومحددة داخل الزمان والمكان، ولنهج تدبيري تشاركي تحفيزي للمواطن كفاعل اجتماعي وكشريك فعليفي تدبير شأنه العام والخاص.

-        الديمقراطية، التعددية وثقافة المشاريع البديلة:
إلا أن الحديث عن المجتمع الديمقراطي وأسسه وثوابته، يقتضي مجتمعيا وجود مرجعيات "التعدد" و "التنوع" الفكري والمشاريعي والمنهجي والتدبيري، وبالتالي يتطلب وجود مرجعيات وفضاءات الاختلاف وحرية التعبير والاختيار، المترسخة مجتمعيا كقيم وكقناعات وممارسات، وفق ديناميكية سياسية ومؤسساتية ومدنية، تقوم دستوريا في احدى دعاماتها الأساسية على قاعدة "التناوب السياسي" وآلياته التمثيلية. وكل قواعد وآليات هذا التناوب التمثيلي، تقتضي سياسيا ومعرفيا وجود "مشاريع مرجعية" فارقية، واضحة الأسس والأولويات والاختيارات، تذهب كل مرجعية منها، بأنها الأكثر قدرة على تحقيق وخلق ديناميكية مجتمعية، بشريا واقتصاديا وثقافيا وترابيا، أكثر توازنا وتفاعلا ورفاهية وإسعاد للمواطن؛ انطلاقا من مجموعة من الثوابت الأـساسية: كالحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، والحق في التعليم والصحة والسكن والشغل، والمشاركة والمبادرة وحرية الاستثمار ...إلخ، والتي تخطط لها إجرائيا عبر برامج محددة داخل الزمان والمكان، والتي سيتم "التعاقد" عليها مجتمعيا داخل فترة زمنية محددة قابلة للتجديد وفق آلية الاقتراع الانتخابي وأسسه الدستورية. هذه في نظري، أهم أسس المجتمعات الديمقراطية، وثقافتها "المتقاسمة" مجتمعيا. وبالتالي أهم رهانات المشروع المجتمعي الديمقراطي ببلادنا وثقافته المرجعية الواعدة، في ظل مرجعيات "العهد الجديد" وثوابت الملكية الدستورية.

-        المشروع المجتمعي الديمقراطي ومنظومة السلطة وعلاقاتها:
من أهم مكونات ومميزات "العهد القديم"، هو أن منظومة سلطته مجتمعيا وعلاقتها بنيويا، تبقى بالأساس منظومة "سلطوية"، على المستوى السياسي والأسري والثقافي والتدبيري، المطبوعة بعقلية وأسلوب الاستبداد بالرأي والقرار والتسيير. وهذه المنظومة السلطوية الثقافة والممارسات، تبقى مجتمعيا، في حاجة إلى "تفعيل" و "تمجيد" المسايرة وفضاءات التجانس والتماثل والتبعية والخضوع،وتبني سيكولوجية التخويف والترويض؛ وبالتالي الحد من فضاءات حرية التعبير والتعددية والاختلاف، والتنظيم والتدبير الذاتي ومشاريعها الإرادية المتميزة والجريئة. وبالتالي فإن كل مشروع مجتمعي ديمقراطي الثقافة والممارسات، يقتضي تغييرا بنيويا في أساليب وآليات "السلطة" المؤسساتية منها والجماعية والفردية السالفة الذكر، والتي من شأنها أن تخلق ديناميكية مجتمعية متجددة، أكثر فاعلية ومبادرة، بفضاءات ومناخ أكثر تعدديةوحرية، وتعبيرا وجرأة، وتواصلا وحجاجا، وأكثر قوة على التناظر والتحاور وتدبير الاختلاف وحل الصراعات، وأكثر حفزا لمواقف الثقة بالنفس ولمشاعر الرضى اتجاه مصادر ومرجعيات "السلطة".

-        من السلطوية المستبدة إلى السلطة الناظمة:
وهو ما سيمكننا مجتمعيا من تجديد أشكال وآليات منظومة السلطة، تربويا وإداريا واقتصاديا، وترابيا ومدنيا. فمنظومة السلطة مجتمعيا، تظل حاضرة على مستوى جميع المؤسسات: من أسرة، ومدرسة، وإدارة، ومقاولة، ونقابات، وأحزاب، ودولة، ولكن الأهم مجتمعيا وثقافيا وأسلوبا وتدبيرا هو: نوعية بنيتها وعلاقاتها وألياتها وأسلوبها. والرهان بالنسبة لنا اليوم هو العمل على أن ننتقل من منظومة "السلطة الاستبدادية" في الرأي والقرار والتدبير، إلى منظومة "السلطة الديمقراطية" الرأي والقرار والتدبير، على مستوى مختلف المؤسسات السالفة الذكر، ثقافة وأسلوبا وممارسة.
إن المشكل لا يرجع في نظر Cresier (1982 ص: 52-53) إلى منظومة "السلطة" في  حد ذاتها، وإنما إلى نوعية علاقاتها وأشكال أنساقها، وبالخصوص إلى "نزعة الهيمنة"، سواء على مستوى المؤسسات أو الأفراد أو الجماعات؛ وبالتالي فإن الأهم – في نظره – على مستوى منظومة السلطة وعلاقتها بالنسبة للمواطنين، ليست بالضرورة مرجعية النخبة الحاكمة وإنما مدة انفتاحها أو انغلاقها وشكل الحكم الذي تمارسه، في ابتعاد وسرية عنهم، أو في شفافية وقرب منهم. ومهما تكن حدود هذا التحليل السوسيولوجي والنفسي كذلك، في نظر البعض حول منظومة السلطة، يجعلنا ندرك بأن: الانغلاق والابتعاد والسرية، هي من سمات السلطة المهيمنة والمستبدة بالرأي والقرار، في حين أن الانفتاح والشفافية والاقترابية، هي من سمات السلطة الديمقراطية، المتواصلة والمتحاورة والمقنعة.

-        المشروع المجتمعي الديمقراطي بين جدلية ديناميكية الضبط وديناميكية التغيير، أيهما تختار؟ ولماذا؟
لاستيعاب مرجعيات ورهانات المشروع المجتمعي الديمقراطي، سوسيولوجيا وسيكولوجيا، ونحن نعيش ضمن مرحلة نصطلح على تسميتها بمرحلة "الانتقال الديمقراطي"، لا بد أن نستحضر العلاقة الجدلية القائمة بين مرجعية كل من "الضبط" و "التغيير" المجتمعي، ومفارقة آلياتهما ونتائجهما.
إن أهم ما يميز المجتمع المغربي تاريخيا وثقافيا على المستوى السوسيولوجي والنفسي – وإلى فترة متأخرة جدا – هو أنه مجتمع "محافظ" و "سلطوي" العلاقات والقيم والممارسات. وهده مكونات تتم معاينتها بكيفية بنيوية وقطاعية – ولو بنسب متفاوتة الحدة – داخل مختلف المؤسسات الفاعلة مجتمعيا، من أسرة ومدرسة وإدارة ومقاولة ونقابات وأحزاب، بالإضافة طبعا إلى مؤسسات الدولة. وأمام هذه البنية والعقلية المحافظة والسلطوية الثقافة يبقى من الصعب جدا تغييرها واستبدالها بثقافة ديمقراطية عن طريق النوايا الحسنة والمراسيم القانونية. لماذا؟ لكونها تستدعي ما يعرف ب "تغيير العقليات" والممارسات، عبر مشاريع وإنجازات وأوراش مغايرة وديناميكية بديلة. ومن هنا تأتي جدلية "الصراع" القائمة مجتمعيا بين ديناميكية الضبط الاجتماعي وديناميكية التغيير، وخاصة داخل مثل هذه المراحل الانتقالية التي يمر منها المغرب حاليا.
كيف ذلك؟ لأن الديناميكية الأولى، أي المحافظة العقلية والسلطوية الثقافة، تعمل أساسا للحفاظ وللإبقاء على مرجعياتها وثوابتها الناظمة للمجتمع. وبالتالي فإن كل ما تقوم به من إصلاحات، هي مجرد "ترميمات داخلية"، تتم داخل البنيات والقيم والضوابط القائم/ بهدف تحسينها والرفع من نجاعتها والحد من اختلالاتها، ومن تأثيرات العوامل الخارجية عليها. وهذا ما يجعل من ديناميكية "الضبط" مجتمعيا ديناميكية "معيارية – محافظة"، "تقاوم" كل ما هو تغيير وتجديد فعلي قادر على إحداث تحولات دالة وإدخال توازنات بديلة عنها. في حين أن ديناميكية "التغيير" هي بالأساس ديناميكية مجددة بالأساس على مستوى البنيات والآليات والممارسات، والتي تنقلنا إلى بنيات أكثر توازنا ومرونة و"انفتاحا"، بثقافة وعقلية وممارسات مغايرة عما كان سائدا وراسخا سابقا. أي أنها تموقعنا ضمن مرجعية "المجتمعات المنفتحة" المتبنية للنظام والنهج الديمقراطي وثقافته.

-        ديناميكية التغيير وثقافة التناوب السياسي: الاختيارات والرهانات
إن إرادة وفعل التغيير، تشكل اليوم الشعار المرجعي للحكومة الحالية التي وحسب برنامجها السياسي وتصريحها الرسمي – تعرف نفسها ك "حكومة التناوب والتغيير". إلا أن التجربة الحالية، والتي مدتها اليوم ثلاث سنوات ونصف، تبين لنا بأن "ديناميكية التغيير المجتمعي" تبقى ديناميكية معقدة ومركبة،  في صراع وتحدي مستمر مع مرجعيات وقوى الاضبط الاجتماعي وثقافتها المحافظة والسلطوية "المقاومة" لكل تغيير فعلي. وهو ما يستدعي وقفة تحليلية للتصورات والقناعات والاختيارات التي تم العمل بها لترجمة وتفعيل ديناميكية التغيير على أرض الواقع إن حصيلة هذه التجربة وإلى حد الآن، رغم ما حملته معها من مشاريع طموحة وآفاق ورهانات واعدة، أبانت لنا بأن ديناميكية '"التغيير المجتمعي"، سياسيا وثقافيا وتنمويا وخارج منهجية وأسلوب "الحلول الوسطة"، التي فرضت نفسها على الحكومة الحالية بكيفية موضوعية ومرتقبة، نظرا لتركيبية ديناميكيتها واستراتيجيات فاعليها، المتباينة والمتباعد القيم والقناعات والأولويات والرهانات والثقافات السياسية. الشيء الذي جعل العديد من إصلاحاتها وإنجازاتها التوافقية تدعم وتحصن منظومة "الضبط الاجتماعي" أكثر مما ترسخ وتقوي منظومة ومؤسسات التغيير الاجتماعي وثقافتها الديمقراطية.
لماذا؟ وكيف؟

-        التناوب السياسي بين ثقافة التوافق وثقافة التغيير:
إن عقلية وثقافة، "التوافق" تقودنا منهجيا وإجرائيا، وفي مختلف المجالات، إلى تبني استراتيجية "الحلول الوسطى"، وهو ما يعني في وضعيتنا الحالية: "شيئا من التغيير"، لكن في حدود "الهامش الممكن". في حين أن عقلية وثقافة "التغيير"، تقتضي منهجيا تبني استراتيجية الاختيارات المجددة، والمشاريع المغايرة والقرارات الجريئة. لهذا فإن "الإصلاحات الواردة ضمن ما يميل البعض إلى تسميته اليوم ب "إصلاحات الهامش الممكن"، و ب "المقاربة الواقعية"، و ب "المنهج التوافقي"، إذا ما  نظرنا إليها في ظل هيمنة منظومة الثقافة والممارسات "السلطوية" وعقلية مؤسساتها "المحافظة"، فإنها تبقى إصلاحات ومقاربة ونهج تعمل أكثر على تقوية وتحصين ديناميكية "الضبط الاجتماعي"، أكثر مما تعمل على تفعيل ديناميكية التغيير.
لماظا؟ لكون إصلاحاتها "التوافقية" و "الواقعية" وإكراهات التشكيلة الحكومية الحالية"، تجعلها لا تبتعد غالبا عما وصفناه ب "إصلاحات الترميم" العاملة على إزالة بعض الاختلالات المالية والتدبيرية والترابية والسياسية، دون أن تمس في العمق ما هو سائد من ثقافة وممارسات وعقلية محافظة، "المقاومة للتغيير". في حين أن رهانات التغيير، هي بالأساس الرهانات حول إصلاحات في العمق، القادرة على أن تنقلنا إلى بنيات مجتمعية أكثر ديناميكية ومرونة وانفتاحا وتوازنا، بثقافة وممارسات مغايرة وعقلية مجددة وحداثية.
وما حدث مؤخرا من مظاهر ومواقف محاصرة فضاءات التعبير والإعلام والحريات العامة(منع ثلاث صحف ...) بعد فترة وجيزة من الانفراج والإشارات القوية، تبقى من احدى "المؤشراتالدالة" على سيادة ثقافة الضبط الاجتماعيوعقليته المحافظة، الرافضة شعوريا ولا شعوريا لأسس وقيم وثقافة التغيير المندرجة ضمنأولويات ودعامات المشروع المجتمعي الديمقراطي، ورهانات "العهد الجديد".
وهذا ما يجعلنا ندرك بأن ديناميكية "التغيير" وثقافة "التناوب السياسي الديمقراطي"، في هذه المرحلة الانتقالية، تستدعي بلورة ديناميكية جديدة وآليات مغايرة "ناظمة" للعقليات  والممارسات، أكثر جرأة وفاعلية ومبادرة مما كانت عليه الأـمور خلال مرحلة "العهد القديم"، والعمل بالتالي على ترسيخ "ثقافة أبداء الرأي وحرية التعبير وحق الاختلاف، وتغريسمنهجية الحوار والحجاج والإقناع والاقتناع كمواقف وقناعات وممارسات تخترق المجتمع المغربي برمته، من الأسرة إلى الدولة وهو ما يجعلنا في مناعة مجتمعية من كل أشكال التطرف والتقاطب والصراعات الاقصائية، كيفما كان مصدرها ومرجعيتها.
في حين ماذا نلاحظ اليوم؟  نلاحظ بأننا نعيش في مرحلة "حرجة"، تندرج ما بين مواقف ومشاعر الأمل ومواقف ومشاعر التحسر، وما بين ممارسات الحرية والجرأة والمبادرة، وممارسات المحاصرة والمراقبة والزجر. وكما هو معلوم في دراسات علم النفس الاجتماعي، فهذه "الوضعية" المتقلبة، والغير المستقرة المواقف والمشاعر والمواقف والقناعات والممارسات، تتولد عنها مشاعر "الإحباط النفسي" و "عدم الرضى الاجتماعي"(Lewin, 1972. Poitou, 1974. Doise, 1978).

-        المناخ السلطوي وسلبياته:
وقد بينت الدراسات الميدانية والمخبرية في هذا المجال، بأن هذه المواقف والمشاعر تعاين بحدة وبكثرة داخل ما يعرف ب "المناخ الاجتماعي" والأسلوب والثقافة "السلطوية"، وبأنها تغيب مع المناخ والأسلوبوالثقافة "الديمقراطية". فمن المعلوم، والمتحقق منه علميا، (K. LEWIN et al) أن الثقافة السلطوية، وأسلوبها ومناخها، تولد لدى "المواطن" مشاعر الخوف والارتياب والتردد والانتظارية، وتفرز لديه موقفين يتقلب بينهما:                     1- موقف الانصياع والخضوع والمسايرة والإقرار بالأمر الواقع، تارة، وتارة أخرى - 2- موقف الرفض والتذمر والمواجهة الحادة والعنيفة. على خلاف الثقافة والأسلوب والمناخ الديمقراطي، حيث يسود الحوار والمشاورة والمشاركة، ومنهجية تدبير الاختلاف وإبداء الرأي، ومشاعر ومواقف الرضى، وآليات التنظيم والتدبير الجماعي والفردي، والثقة بالنفس وبالآخرين. وهنا تكمن في نظري، إحدى الدلالات النفسية والجماعية والثقافية لما أصبح يصطلح عليه على تسميته ب "العهد الجديد" سياسيا ومجتمعيا. أي هذا الانتقال النوعي والجوهري من ثقافة وأسلوب ومناخ "سلطوي" إلى ثقافة وأسلوب ومناخ "ديمقراطي". وهنا تكمن كذلك، أهم الرهانات الواعدة والدعامات الأساسية لديناميكية والتغيير المجتمعي وثقافة "التناوب السياسي"، لترسيخ قيم وثقافة المشروع المجتمعي الديمقراطي وآلياته الناظمة للمواقف والقناعات والممارسات، والتي ستبعدنا عن سلبيات ممارسات ومناخ "العهد القديم"، وعن رهانات "العقلية المحافظة" ومؤسساتها الرافضة لهذا المشروع الديمقراطي. لأنه وفي حالة عدم القدرة على ترسيخ ثقافة "المجتمع الديمقراطي"، فإن هذه الوضعية الحرجة بمناخها النفسي الاجتماعي، وبمفارقاتها واختلالاتها المجتمعية السالفة الذكر، ستحمل معها العديد من مواقف ومشاعر الإحباط ومظاهر التوتر النفسي والمجتمعي، والتي من المحتمل جدا أن تفرز لنا "نخبة" اجتماعية وسياسية "محافظة" إلى حد كبير، ستجعل من مظاهر وظواهر: الفقر، والبطالة، والأمية، ونخبوية المنظومة التعليمية، ومن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والترابية، أرضية خصبة لاستقطاب قناعات ومساندة العديد من الفئات المحرومة، بل وحتى الراغبة في التغيير عن إرادة وقناعة، على الصعيد المحلي والجهوي والوطني. وبالتالي ستعمل على تبني استراتيجية التفجير وترسيخ ثقافة الإقصاء ومرجعيات الانتماءات "المغلقة" ومن هنا كذلك تأتي أهمية ورهانات المجروع المجتمعي الديمقراطي، بهويته الوطنية المشتركة، وبتوازناته المرنة، وبمؤسساته الديمقراطية الثقافة والممارسات وبمشاريع تنميته الشاملة والعادلة، المتحاورة والمتحاججة سياسيا ومجتمعي، والتي من شأنها أن تجعل "المواطن المغربي" أكثر فاعلية ومشاركة ومبادرة وثقة بالنفس وبالآخرين.

-        الانتقال الديمقراطي ومرجعيات التقويم:
وحتى تكون لدينا مرجعية إجرائية "موضوعية"، لقياس وتقويم ما أنجزناه على هذا المستوى، فهناك "مؤشرات دالة" ومرجعية يمكننا دائما أن نحتكم إليها في تحليلاتنا ونقاشاتنا.
إن كل مجتمع ديمقراطي الثقافة والممارسات، يمكن تقييمه إجرائيا من خلال: "نوعية مشاريعه" وفضاءاتها المفتوحة، داخل مؤسساته الاجتماعية الفاعلة من أسرة، ومدرسة، وجماعة، وإداري ومقاولة، وإعلام، ونقابات، وأحزاب ...إلخ؛ ومن خلال مستوى "المشاركة الفعلية" لأفراده وجماعاته في تدبير الشأن المحلي والخاص كمواطنين.
ومن خلال درجة تقبله "لأشكال التفكير"، وللمواقف والتحاليل "المتمايز"، والمشاريع "البديلة" و "المجددة"؛
ومن خلال "قدرته الفعلية" على حل "الصراعات" وتدبير للمصالح المتعارضة عن طريق الحوار والتفاوض والتعاقد.

-        الانتقال الديمقراطي وثقافة "المشاريع البديلة":
إن ما ذكرته لحد الآن، يدعوني لطرح بعض التساؤلات المنهجية الاستفسارية، وللتساؤل من جديد عن: ماذا نريده فعلا؟ ولماذا؟. أي، أية ديناميكية مجتمعية نريد؟، هل ديناميكية "الضبط الاجتماعي" وترميماتها الداخلية، أم ديناميكية "التغيير الاجتماعي" وتحولاتها الدالة، بل والبنيوية في مجالات السلطة وحرية التعبير والتربية والإدارة والمقاولة والتشغيل والصحة والسكن، وإعداد التراب الوطني، والمشاركة الفعلية للمواطن في تدبير الشأن العام والخاص ...إلخ.
إن "العهد الجديد" مجتمعيا، يعني ولوج القرن الواحد والعشرين وعقلية جديدة وب "توازنات أكثر حيوية وفاعلية وب "مشاريع" و "أوراش" و "إنجازات" أكثر طموحا وجرأة وعدالة ورفاهية، وب "ثقافة" مؤسساتية أكثر حوارا وحرية وحجاجا، ومشاركة وحفز للإرادات والكفاءات والمبادرات الفردية منها والجماعي ...إلخ. فلتغيير "العقليات" إيجابا، في زمن العولمة والتحولات السريعة ورهانات المجتمع الديمقراطي، نحن نبقى في حاجة إلى مرجعية وديناميكية "التغيير"، وليس إلى مرجعية وثقافة "الضبط الاجتماعي"، والديمقراطية كثقافة وأسلوب وممارسة، كما تم تحديد ذلك سابقا، هي مصدر "الحداثة" و"عقلنة" المجتمع. أي أنها المنظومة الفكرية والقيمية والسلوكية والتعاقدية، التي تؤسس وترسخ لبنى "العقلانية" مجتمعيا. كيف؟ لكونها تقوم أساسا على مبادئ الحق والحوار في الاختلاف وإبداء الرأي، وتبني منهجية الحجاج والإنصات المتبادل والإقناع والاقتناع، والتعاقد بين المؤسسات والجماعات والأفراد.
وتبقى البوابة والمنهجية الناظمة لهذه "العقلية المجتمعية" الديمقراطية، خلال هذه المرحلة الانتقالية، هو العمل سياسيا ومجتمعيا بثقافة "المشاريع البديلة" الفارقية، بدل العمل بثقافة التوافق والمراهنة على مشاريع تحيين القوانين والمراسيم، وإصلاحات "الهاش الممكن".
لماذا؟ لأنه، وكما يبين ذلك الباحث السوسيولوجي الفرنسي CROZIER (1982)، في تحليله لآليات التغيير المجتمعي، وفي تعليقه عن المرحلة الانتقالية السياسية التي عرفها المجتمع الفرنسي سنة 1981، بعد مرور الاشتراكيين إلى الرئاسة والحكومةالفرنسية، بأننا "لا نغير المجتمع عن طريق المراسيم"، ومن خلال تشريعات مؤسساتية وقرارات فوقية، وبأن أفضل رهان هو الرهان على مجتمع منفتح ومتحرر من ثقافة "الضبط الاجتماعي" وعقليته المحافظة.
وبالتالي وحتى لا نعمل مجتمعيا وسياسيا على إعادة إنتاج "المماثل" و "الراسخ"، تحت مفاهيم وسيناريوهات وصيغ جديدة، تغير الشكل وتحتفظ بالجوهر، علينا أن نندرج سياسي ومجتمعيا ومدنيا ضمن ثقافة وممارسات "المشاريع البديلة".
لماذا؟ لأنها – وكما تبين لنا الدراسات في هذا الباب:(MOSCOVOCI, 1979. MARLIEU, 1989. DOISE, MOSCOVOCI, 1992…) الثقافة والممارسة التي تنقلنا معرفيا وثقافيا ومؤسساتيا، إلى مرجعي سياسية وتنموية ومدنية "مشاريعية" فارقية، المتجادلة بل والمتواجهة ديمقراطيا فيما بينها. وداخل مجتمع محافظ العقليات والممارسات، مفطور على أحادية التفكير، وعلى تفضيل تجانس المواقف والقناعات والممارسات، وعلى المسايرة والخضوع لضوابط المؤسسات السلطوية وثقافتها ونهجها "التوافقي"، يبقى من الصعب مطالبته بالمرور تلقائيا وذاتيا إلى "مجتمع ديمقراطي" و "حداثي" الثقافة والممارسات، خارج ثقافة ومنهجية الاختلاف والحجاج والنقاش والإقناع والاقتناع، التي توفرها – على أرض الواقع – معادلة ومنهجية "المشاريع البديلة"، وما يقتضيه ويفرضه ذلك من وضوح في المرجعيات، وثبات في المواقف والقناعات والهويات السياسية الفارقية والمتميزة على مستوى أهدافها وأولوياتها وبرامجها.

-        الانتقال الديمقراطي ومنهجية تغيير العقليات:
إن جوهر إشكالية الانتقال الديمقراطي المطروح حاليا، لا يعود، في نظري بالضرورة إلى هشاشة المرحلة الانتقالية في حد ذاتها كما يذهب البعض، بقدر ما تعود إلى عدم الاحتكام إلى ثقافة المشروع المجتمعي الديمقراطي، في علاقته مع ثقافة ديناميكية "المشاريع البديلة". وذلك نظرا لهيمنة العقلية المحافظة وممارستها السلطوية، وحيطتها بل وتخوفها من مرجعية وثقافة "التنوع" و "التعددية"، ومن عقليتها الحداثية وممارستها الديمقراطية، التي هي مرجعية وثقافة "التغيير". إلا أننا مجتمعيا وثقافيا وسياسيا، لن نذهب بعيدا في ترسيخ قيم وممارسات وثقافة المجتمع الديمقراطي لدة المواطن المغربي، خلال هذه المرحلة الانتقالية، في غياب مرجعية وثقافة "التعددية المتحاورة "مشاريعيا"، وفق أسس "هوية" مرجعياتها السياسية وأهداف مشروعها المجتمعي المفضل بأولوياته، وبرامجه العملية، داخل مختلف القطاعات المجتمعية. فالمجتمع الديمقراطي "معرفيا" يقوم على "إنتاج" و "تواجه" المشاريع البديلة، بمرجعياتها الفارقية السياسية منها والتنموية والمدنية والقيمية.
ومن خلال هذه المقاربة التحليلية لأسس ودعامات مرحلة الانتقال الديمقراطي، فإن أهم ما يمكن ملاحظته على حكومة التناوب الحالية هو ابتعادها عن مرجعيةثقافية وديناميكية المشاريع البديلة الفارقية، ولجوؤها إلى تبني مرجعية وثقافة "التوافق" كمرجعية وكأسلوب وممارسة. في حين، وكما بينت ذلك سابقا، فإن إجرائية مفهوم ومحتوى "التغيير" يقتضي الخروج عن هيمنة وثقل "وضعية" سياسية وثقافيةومجتمعية ونفسية، غلبت عليها "تاريخيا ومؤسساتيا نسقية المنظومة السلطوية وعقليتها المحافظة، وثقافتها وممارستها "التوافقية". لهذا ولأجرأة أهداف مرحلة الانتقال الديمقراطي، سياسيا ومجتمعيا على أرض الواقع، ضمن معادلة التناوب السياسي، فإن ذلك يقتضي العمل وفق ثقافة ومنهجية وممارسات "المشاريع البديلة. لماذا؟، لكونها المنهجية الأقدر على "تغيير العقليات"، وحفز الإرادات والمعنويات والمبادرات، على ترسيخ – مجتمعيا – معرفة وثقافة "سياسية" لدة المواطنين، ولدى الأحزاب السياسية نفسها.
إن مقاربي هذه للمرحلة الانتقالية في علاقتها مع تجربة التناوب في صيغته الحالية، أي "التوافقية"، لا تقوم على موقف وتحليل شخصي، وإنما هي مقاربة علمية إجرائية لها مصداقيتها المتحقق منها في عدة مجالات، وعلى عدة مستويات، فالمقاربة النفسية – الاجتماعية –لا المعرفية مثلا، نتائج دراساتها تبين لنا، بأن مثل هذه الثقافة والأسلوب المعرفي التقابلي – الحجاجي، والتي يصطلح على تعريف آلياتها بديناميكية ""المواجهة الاجتماعية – المعرفية – (لكونها تقوم أساسا على منهجية التقابل، والحوار، والحجاج، وطرح الحلول البديلة ...) _ تنعكس إيجابا على تغيير وتطوير العقليات، أي على مستوى تجديد وتغيير معارفها وأنسقة تفكيرها، وعلى مستوى مواقفها وقناعاتها الفردية منها والجماعية والمؤسساتية.
(DOISE, MUGNY, 1981. MONTEIL, 1989. MOSCOVICI, DOISE, 1992 …) وهو ما نفتقده حاليا ونحتاج إليه مستقبلا لترسيخ أسس ودعامات المشروع المجتمعي الديمقراطي.

-        الانتقال الديمقراطي وديناميكية التغيير المدني:
إن رهانات المرحلة الانتقالية الحالية، تدعونا أكثر فأكثر إلى الاهتمام بديناميكية التغيير المجتمعي في علاقاتها مع ديناميكية الفاعلين الاجتماعيين وحاجياتهم ومبادراتهم. فالمجتمع المغربي، من خلال ديناميكية العديد من أفراده وفئاته المجتمعية ومؤسساته الرائدة، يعرف اليوم تطورات متعددة ومشاركة واعدة، تجعل من الصعب جدا إذا لم نقل من المستحيل، الحد من إيقاعاتها وديناميكيتها عبر مرجعية وثقافة "الضبط الاجتماعي".
إن من أهم إيجابيات ديناميكية المجتمعات الشرية، هو أن فاعلية أفرادها وجماعاتها ومؤسساتها الاجتماعية، ونوعية مشاريعهم واستراتيجياتهم، تبقى متعددة ومتنوعة بشكل كبير؛ وهذا ما يجعل جانبا من "ديناميكية المجتمع" يتميز بخاصية عدم التوقع، ويأخذ بالتالي مسارات ومسالك مفاجئة أو متعارضا لما كان متوقعا ومفكرا فيه، ومخططا له من طرف أصحاب القرار السياسي.
وكما ذكرت سابقا، فإن الرغبة من الخروج من تحت وطأة سلبيات "العهد القديم" وثقافة السلطوية، لاندماجنا في ثقافة وسيرورات المشروع المجتمعي الديمقراطي، أصبحت بدورها تتطلب وتنتج معارف وتمثلات وقيم وممارسات مغايرة، وفضاءات مجتمعية أكثر انفتاحا وأقل ضغطا ومراقبة وترويضا، وبالتالي أكثر تنوعا وتفاعلا وتواصلا. وهذا ما أصبحنا نعانيه اليوم يطفو ويتجدر بنسب متفاوتة، داخل عدة فضاءات ولدى العديد من الشرائح المجتمعية، والتي من المنتظر أن تزداد غناءا وانفتاحا وفاعلية ومبادرة مع تعميق وترسيخ ثقافة وممارسات المجتمع الديمقراطي.
إن رصد العديد من "بؤر" وفضاءات سيرورة "التغيير" داخل العديد من المؤسسات الاجتماعية والتربوية والمهنية والمدنية، على مستوى الأسرة والمدرسة والمقاولين  الشباب وجمعيات المجتمع المدني الحقوقية منها والشبابية والنسائية مثلا، تبين لنا بأن آليات التنظيم والتدبير الذاتي، وحرية التعبير والمشاركة والمبادرة والمثابرة، آخذة في فرض سماتها وآلياتها  وديناميكيتها على مستوى العديد من أشكال العلاقات الأسرية والتربوية والمهنية والمدنية والسياسية، وعلى مستوى أشكال منظومة "السلطة" وفضاءات تدبير الشأن العام والخاص، بكيفية أكثر إيجابية، وغالبا خارج منطق وأسلوب المواجهة الحادة والإقصائية. لكننا نلاحظ في نفس الوقت، استمرارية وبروز العديد من مواقف وأساليب الرفض والانتقادات الموجهة لهذه الثقافة المدنية الديمقراطية القيم والآليات والممارسات، باعتبارها ثقافة متجاوزة للحدود ولمرجعية "التوافق" وضوابطه المعيارية، والتي تبقى في واقع الأمر معبرة عما يعرف ب "مواقف مقاومة التغيير"، برزت بعض سماتها ومؤشراتها السياسية بحدة متميزة اتجاه مشروع خطة ادماج المرأة في التنمية (1999) مثلا، واتجاه حرية التعبير وحرية الإعلام (2000). وهذه كلها مؤشرات دالة مجتمعيا وسيكولوجيا، تبقى معبرة عن مكونات وممارسات الثقافة السلطوية، القائمة على آليات وأسلوب الضغط والزجر والترويض، وعلى تفضيل قيم ومواقف المسايرة والتبعية؛ والرافضة بالتالي  لمواقف وفضاءات الاختلاف والتعددية، ولمشاريع التدبير الذاتي مؤسساتيا ومدنياوسياسيا.
لكنه ورغم المقاومة المحافظة، فإن ما يعرفه المجتمع المغربي اليوم من تحولات سريعة، ومن ديناميكية متميزة لدى العديد من أفراده وفئاته وشرائحه المجتمعية الشبابية والنسوية والحقوقية والجمعوية، ومن خلال ما يعرفه من انفراجات وإرادة سياسية، ومن انفتاح اقتصادي ومشاريعه وأوراشه الاستثمارية، كلها معطيات وعوامل "واعدة" تجعل من الصعب التفكير والتخطيط لها وتدبيرها وفق ثقافة وعقلية "الضبط الاجتماعي" وآلياته السلطوية.



Références :
-          BEAUVOIS, J-L.; JOULE, R. (1981). Soumission et idéologies. Psychosociologie de la rationalisation. Paris, PUF.
-          CROZIER, M. (1982). On ne change pas la société par décret. Paris, Grasset, Coll. Pluriel.
-          DOISE, W.; DESCHAMPS, J-C.; MUGNY, G. (1978). Psychologie sociale expérimentale. Paris, Armand Collin.
-          DOISE, W.; MUGNY, G. (1981). Le développement sociakl de l’intelligence. Paris, Inter Editions.
-          LEWIN, K. (1972). Psychologie dynamique. Paris, PUF.
-          MARLIEU, Ph. (direction) (1989). Dynamique sociales et changements personnels. Paris, C.N.R.S.
-          MILGRAM, S. (1986). Soumission à l’autorité. Paris, Calmann Lévy.
-          MONTEIL, J-M. (1989). Eduquer et former. Perspectives psychosociales. Grenoble, PUG.
-          MOSCOVICI, S. (1979). Psychologie des minorités actives. Paris, PUF.
-          MOSCOVICI, S. Psychologie sociale. Paris, PUF.
-          MOSCOVICI, S.; DOISE, W. (1992). Dissensions et consensus. Paris, PUF.
-          POITOU, J-P. (1974). La dissonance cognitive. Paris, Armand Colin.

Université Sidi Mohammed Ben Abdellah - Fés
Revue de la Faculté des Lettres et des sciences Humaines – Dhar El Mahraz- Fés
Numéro Général 13-2004

جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس






هل أعجبك الموضوع ؟

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران