ظاهرة الشغب: حوار مع الأستاذ الجامعي: عبد الرحيم عمران مختص في علم النفس الاجتماعي والعلوم الاجتماعية.. • ممارسة الاحتجاج والفوضى هي ردّ فعل على الفوارق الاجتماعية التي تكرست بشكل كبير

• أحداث الشغب تصدر من مراهقين و شباب عاطل وبلا آفاق قادم من أحياء مهمّشة وفقيرة
• وزارة الشبيبة والرياضة هي المسؤولة عن تأطير الشباب وخلق تنشيط رياضي وثقافي في الأحياء الشعبية
• يجب خلق ودعم الجمعيات ودور الشباب لمرافقة الشباب لمواجهة الضياع والتهميش الاجتماعي
• الفضاء الرياضي هو مكان نبحث فيه عن الفرجة قبل النتيجة
• الرياضة هي التفاعل مع الحدث بثقافة رياضية والاحتجاج بعقلية حضارية
• انتقال المجتمع إلى الديمقراطية والمواطنة لم يتم استعمالهما بشكل إيجابي ومنظم
•أغلب الدراسات تؤكد أن سلطة الأمن والعقاب والزجر غير ناجحة وعواقبها سلبية




 نلاحظ انتشار ظاهرة الشغب، فما هو المعنى والعلاقة الاجتماعية لهذه الظاهرة ؟
• علينا أن نلاحظ بالدقة والتمعن لأن هذه الظاهرة أصبحت خطيرة على مجتمعنا، فهي تتميز بمجموعة من الضوابط ، أهمها التكرارية والاستمرارية مما يؤدي إلى عدم الاطمئنان والتي تترك أضرارا متنوعة منها الجسمية والبدنية وأضرارا مادية واجتماعية ينتج عنها زرع ونشر الخوف والتوتر، وبهذا فإن هذه الظاهرة تسائلنا: لماذا انتشرت في مجتمعنا وبشكل مخيف، ولماذا أصبحنا ندعم أوصافها وتسميتها مثل " التشرميل – الحيحة – نايضة " فالمعنى الحقيقي نعرفه لأن الكلمة بالدارجة، وأصبحنا متعودين على سماع أو مشاهدة صور وأخبار حالات الشغب والفوضى في الملاعب الرياضية، وهذا الاعتياد هو الخطير لأنه يؤكد استمرارية الظاهرة اجتماعيا.
عندنا دراسات وأبحاث تلخص لنا أن ظاهرة العنف أو الشغب منتشرة ببلادنا في مرافق مختلفة منها العنف في المدرسة، العنف في الفضاءات الرياضية والعنف في الأحياء والشارع والعنف في البيت العائلي، يجب أن لا ننسى البيت العائلي لأن فيه عنف مختلف، عنف الآباء وكذلك عنف الأبناء تجاه الآباء، هذه الظاهرة بصفة عامة أصبح لها امتداد، وحسب الدراسات فهو امتداد أفقي، من الأسرة إلى الحي إلى الشارع إلى المدرسة إلى الملاعب إلى الفضاءات الاجتماعية ، وهذا خطير جدا، ومن هنا علينا أن نبحث ونتساءل عن المتغيرات التي حصلت في مجتمعنا .
 كيف نربط العلاقة بين الشغب في الملاعب الرياضية والمجتمع ؟
• الملعب الرياضي هو فضاء نبحث فيه عن الفرجة أولا قبل النتيجة، وهو فضاء للقاء فئات المجتمع للتواصل، للتعارف لتبادل الحوار الرياضي وخلق ثقافة الروح الرياضية، للاقتناع وتقبّل الهزيمة وحتى الاحتجاج يكون بروح رياضية. هذه هي مواصفات النشاط الرياضي ومن خلال هذه المواصفات يتجه المجتمع بمختلف فئاته إلى التفاعل مع الحدث الرياضي بثقافة رياضية وحضارية.
لكن الآن ما نعيشه ونشاهده هو المعادلة المعكوسة والمقلوبة، أصبحنا من المنظور السسيولوجي والسيكولوجي ( وهذا بحث قمنا به هنا مع الطلبة)نستغل الفضاءات والمناسبات الرياضية إلى مناسبة للاقتتال والمواجهة وتفجير العداء للطرف الآخر، والطرف الآخر هنا ليس إلا المجتمع، فالعقلية التي يحملونها هؤلاء الشباب هي: " لنخرب، لنقتل، لنكسر، لنشرمل، إلى غير ذلك"، لقد
أصبحت الملاعب الرياضية فضاء لتوجيه القذف والسب والتمرد وإظهار الحقد والغضب على الأوضاع الاجتماعية، 
هذه الظاهرة انتشرت في المجتمعات الأوروبية في بداية الستينيات(1960) انطلاقا من الاتحاد السوفياتي وبريطانيا وتمّ التغلب عليها في 1999 فهل يمكن القول إن هذه الظاهرة انتقلت لمجتمعنا المغربي حاليا ؟ 
• لا، نظرا لعدة أسباب، لأن انتقال الظاهرة أو الموضة أو التقليد يكون مرتبطا بزمن محدد ثم يزول ، أما ما نعيشه حاليا هو انتقال المجتمع المغربي إلى مراحل متغيرة، فالملاعب الرياضية أو البنية التحتية والتجهيزات عرفت تطورا كبيرا وحياتنا الاجتماعية في الأسرة والمدرسة والشارع تغيرت بكثير، لقد كنا مجتمعا من الناحية السسيولوجية نعيش وفق ضوابط نسميها بالأنتروبولوجية، هذه الضوابط هي قوانين العائلة التي فيها الهيبة والسلطة الأبوية وفي المدرسة سلطة المعلم وإدارة المدرسة، إذن الطفل يعيش في المجتمع تحت الانضباط، والآن نعيش مرحلة أخرى، لقد انتقلنا وخرجنا من السلطة السلطوية الأسرية والمدرسية الضاغطة التي كانت تحاصر وتراقب الخروج عن عدم احترام القيم والأخلاق، لذلك فما نعيشه حاليا هو التحرر المجتمعي الذي يعطي ديمقراطية الأفراد بمعنى هناك حوار ونقاش وسط العائلة ولم تعد هناك مواصفات الضغط على الأطفال بل أصبح الأب يحذر الأطفال من عدم ارتكاب الخطأ ولم تعد له سلطة المنع والضغط وإنما سلطة الحكامة وحسن التسيير، وهنا نقول إن هذا التحرر قد يؤدي إلى الانفتاح الإيجابي أو يؤدي إلى انفتاح سلبي، فيه عدم التزام الطفل واحترامه للقيم التربوية ويؤدي إلى ممارسة ثقافة العنف في المجتمع في المدرسة وفي البيت أيضا، ونلاحظ أن الاهتمام بثقافة العنف والخوف أصبح في إطار جماعي يعتمد على تكوين اتحاد بين هذا القسم وذاك وبين هذا الحي وذاك كما توسعت إلى بين المدن مما نتج عنه الآن المنافسة الاقتتالية بين جماهير مدينة وأخرى.
 يمكن أن نوضح هذا بالانفلات التنظيمي ؟
• نعم لأننا كما قلت نعيش ما يسمى بالتحرر والديمقراطية، ففي العائلة أو المدرسة نعتمد على ما يسمى بالحوار والتعاقد لكي يقوم الطفل بتنفيذ عمل ما، فأبناؤنا يقدمون لنا التفهم والحوار على القيام بعمل نطلبه منهم أو يرغبون أن نوافق على طلبهم مثل الذهاب إلى السينما أو الملعب أو السفر، والطفل القاصر أو الشاب في هذه الحالة يحمل معه ضوابط تنفي العنف وحتى إن كان هناك الاختلاف مع الوالدين فالطفل يستعمل الحوار للإقناع والاقتناع أو ينسحب من الحوار بلا عنف، إذن الأب لم يعد يستعمل الضرب والعنف كسلطة ضاغطة ووسيلة للتربية، وحتى المدرسة نهجت هذا الأسلوب، وخرج المجتمع المغربي من المجتمع الأنتروبولوجي السلطوي والضاغط ، ولكن نكتشف هنا أن الجميع لم يستعمل بشكل إيجابي هذا التغيير وهو ما أدى إلى خلق سوء تدبير وفوضى في التحرر و التحضر المجتمعي، وهذا أدى إلى ضرب العديد من القيم في مقدمتها حرية الفرد وممارسة الديمقراطية، التي هي قيمة إنسانية تساعدنا العيش ولو في الاختلاف بيننا، فاليوم يقف الطفل أمام رجل الأمن ويتزايد معه ( إلى قدرتي ضربني ها أنا ) والملاحظ أن هذه الأحداث والممارسات تصدر غالبا من فئة شباب قادمين من أحياء فقيرة مهمشين إجتماعيا، أطفال الهدر المدرسي، وشباب عاطل وبلا آفاق مستقبلية، وعندما يتواجدون في ملعب رياضي، يمارسون ما يسمى سسيولوجيا بأوضاع الاحتجاج " أنا احتج" فالملاعب على مستوى توظيفها أصبحت فضاء للتعبير والاحتجاج بشكل فوضوي على الأوضاع الاقتصادية، الملاعب الرياضية أصبحت لها وظيفة اجتماعية احتجاجية " هيا للملعب لنكسر، هيا لنحطم، إلى غير ذلك " ، وهذا التصرف ناتج كردة فعل عن سياسة الفوارق الاجتماعية التي تكرّست بشكل كبير، هذه الفوارق تولّد الحقد والضغينة والكراهية والإحباط وتفجر هذا العنف الذي نعيشه في الفضاءات الرياضية، كما ازداد عن هذا ميلاد نقيض للديمقراطية التي من المفروض أن نمارسها بطرق سلمية بوسائل الإقناع، وسيكلوجيا هذه الوضعية فجرتها أوضاع الهدر المدرسي وأوضاع الفقر وأوضاع الآفاق المستقبلية الغامضة، وإجمالا يمكن القول أن كل هذا يؤدي إلى الإحباط، فالطفل والمراهق يريان السواد في كل شيء في حياتهما، في الفقر وضعف البنية التحتية في الحي، ويريان الفقر المادي في العائلة التي غالبا لا تجد إمكانية توفير وجبة عشاء الليل، وأمام هذا يجد الشاب مقاربة أخرى تتجسد في الفوارق الاجتماعية الموجودة في الجهة الأخرى والتي تعيش في ظروف مريحة وبلا خصاص، وهذه المقاربة تولد ما نسميه السيكلوجية السلبية التي تحمل معها الانفجار النفسي وهو ما يحصل حاليا، فأمامنا مجموعة من الشباب والأطفال القاصرين يتوجهون للملاعب الرياضية بشكل منظم مشحون بالحقد والكراهية ويضربون ويحطمون ويمارسون العنف، وبالتالي فهذا العنف هو أيضا ضد الديمقراطية التي منحها الدستور.
 إذا استثنينا الحلول الزجرية، فهل هناك من حلول أخرى بديلة لتطويق هذه الظاهرة ؟
• لنكون صرحاء، السلطة الأمنية ما تزال تحمل العقلية الأنتربولوجية، يعني الضغط والزجر والتخويف والعقاب، وترى في هذا هو الحل الوحيد لإحلال السلم والسلام، لكن هناك عديد من الدراسات الاجتماعية والسيكلوجية تؤكد أن هذا التعامل خطأ ويؤدي إلى انعكاسات ونتائج سلبية كما أنه لا يتماشى مع التطور الاجتماعي الذي يعرفه المغرب، فكما سبق الذكر انعدم الضرب والعقاب في التعامل مع الأطفال سواء في البيت أو المدرسة، وأصبح التعامل يسوده الحوار والنقاش، والعلاقات أصبحت تعتمد على ضوابط وقيم تنظم كيفية التعايش مع بعضنا في البيت العائلي وكيفية التعلم المعرفي في المدرسة لبلورته في الحياة العامة، ومقابل هذا التطور الاجتماعي من المفروض أن تتطور شخصية ووظيفة رجل الأمن ليكون دوره مثابة الوسيط الذي يؤطر وينظم ويرافق، هناك برامج أمنية نجحت في العديد من الدول الغربية أذكر منها فرنسا التي أقامت ما يسمى بشرطة القرب، 3 رجال أمن من أصل فرنسي وعربي وإفريقي وبلا سلاح يتجولون في الأحياء الصعبة الساخنة كما يقولون ويتبادلون المناقشة مع الشباب وغالبا ما يناقشون ما معنى " المواطنة" وينصحون الأطفال على الانخراط في دور الشباب والجمعيات الرياضية . في إسبانيا تشتغل جمعيات المجتمع المدني في جميع الأحياء الشعبية ويقوم رجل الأمن بدور التوعية والإرشاد، أما دول شمال أوروبا : الدانمارك، السويد، النرويج، فهي الأولى التي خلقت برامج الأمن الاجتماعي وهي متقدمة بكثير في هذا المجال، تعتمد على التأطير والمرافقة والتعاقد مع الشباب بتعاون مع مختصين في الميدان الاجتماعي وميدان الطب النفسي ، وجميع هذه التجارب أعطت وما زالت تحقق نتائج إيجابية ملموسة بالأرقام.
ومن هذا المنطلق أنا أقول إن الحالات المتكررة التي تعرفها الملاعب الرياضية في بلادنا يتقاسم مسؤوليتها كل من النادي وجمعيات المجتمع المدني وجمعيات ما يسمى " الأولترا" وجميع جمعيات الأنصار والمحبين، الجميع تهرّب من المسؤولية وألقاها على عاتق السلطة الأمنية، لكن هذه السلطة كما قلت سابقا ما زالت تتمسك بمنظومة الأمن هو : التخويف والقمع، وهذه المنظومة تخلق الحقد والكراهية نحو رجال الأمن وهذا ما لاحظناه ، فهؤلاء الشباب والقاصرون أظهروا أن لهم القدرة على التحدي والمواجهة، ونحن في إطار تخصصنا في علوم النفس والاجتماع لدينا دراسات تخلص إلى ضرورة التعامل مع القضايا الاجتماعية بنوع من التبصر والحكامة، يجب أن يتحول رجل الأمن إلى سلطة تحمل الاطمئنان وإلى هيأة ترافق المواطن وهذا الانتقال سيساعد على خلق جوّ تنشئة اجتماعية وتربوية، يجب أن لا ننسى أن الشاب المتفرج في الملعب يحمل صفة المواطن التي جاء بها الدستور وحق المواطنة تحميها الديمقراطية ومن جهة أخرى من الواجب على المواطن حماية هذا المكسب.
هناك سؤال مهم يغيب أمام هذه الأوضاع التي تعرفها الرياضة في بلادنا، ألا وهو: ما هو دور وزارة الشبيبة والرياضة؟ فما نلاحظ بالملموس أن دورها غائب تماما، في حين أن هذه الوزارة لها مسؤولية هامة تتجلى في تأطير الشباب وخلق تنشيط رياضي وثقافي في الأحياء الشعبية والفقيرة عن طريق دور الشباب وتشجيع الأطفال على الانخراط في المجتمع الرياضي والثقافي مثل الكشفية والشطرنج والمسرح والفن وغير ذلك ، على وزارة الشبيبة والرياضة أن تتحمل المسؤولية لأن هذا القطاع جد هام ، فالشباب يعيش أزمة اقتصادية صعبة وبلا آفاق مستقبلية وفي ظروف عائلية مهمّشة ويستحيل أن يصمد الشباب لوحده لمواجهتها. 






هل أعجبك الموضوع ؟

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران