-مقالات وحوارات الأستاذ عبد الرحيم عمران-
تقديم:
إن المجتمع الغربي يعرف اليوم ديناميكية
متجددة وواعدة، تجعلنا ننظر إلى المستقبل القريب منه والبعيد، بالكثير من التفاؤل
والثقة بالنفس.
وكل تغيير مجتمعي من هذا النوع إلا ويحمل
معه، معرفيا وسلوكيا وعلائقيا، تغييرا في العديد من المواقف والقناعات والممارسات
السائدة؛ وبالتالي يحمل معه تمثلات وقيما ومشاريع مغايرة، أكثر انفتاحا وفاعلية
وجرأة ومرونة ومشاركة، وأكثر وعيا بأهمية "الثقافة الديمقراطية"،
كمرجعية السلوك والممارسة المؤسساتية والجماعية والفردية. وهو ما أصبحنا نعبر عنه
اليوم ب "ثقافة" المشروع المجتمعي الديمقراطي، بمعارفه وتوجهاته
وبفضاءاته "الديمقراطية" الناظمة للعقليات والممارسات.
وكما نعلم جميعا، فإن كل مشروع مجتمعي
ديمقراطي الثقافة والممارسات، لكي يصبح إجرائيا على أرض الواقع، وبالتالي
"ناظما" للمجتمع، لا بد له أن يتحول إلى مجموعة من القيم والتمثلات
والممارسات والأساليب "المتداولة" و "السائدة" داخل مختلف
المجالات ومرافق الحياة اليومية والأسرية والتربوية، والمهنية والاقتصادية، والمدنية
والسياسية. أي أن يتحول إلى قواعد ومعايير وقيم موجهة وناظمة للممارسات وأساليب
الحياة وللعلاقات المؤسساتية والجماعية والفردية.إن مثل هذه التحديات الأولية،
تجعلنا ندرك بأن "الديمقراطية" مجتمعيا، في احدى مكوناتها وتعريفاتها
الإجرائية، هي عبارة عن "ثقافة متقاسمة"، أي مجموعة من القيم والمواقف
والقناعات والممارسات وأساليب التفكير والحياة، "المتقاسمة" بين مختلف
المواطنين ومؤسساتهم المرجعية. وكل ثقافة مرجعية من هذا النوع، كما نعلم، تتطلب ما
يعرف ب "تغيير العقليات" و "الممارسات".
من هنا، تأتي أهمية الدلالة ومفهوم
"التربية الديمقراطية في علاقتها مع "حقوق الطفل السيكولوجية"،
موضوع هذا النشاط العلمي لمرصد الطفولة والمراهقة بتعاون مع جمعية علم النفس
والتنمية، الهاتف إلى المساهمة معرفيا وعلميا في نشر وترسيخ- مجتمعيا – ثقافة
المجتمع الديمقراطي. وذلك لما هناك من علاقة مباشرةبين أسس ومرجعيات التربية
الديمقراطية وبنى عقلية وممارسات المواطن الديمقراطي وحقوق الطفل السيكولوجية.
لقد كثر
الحديث خلال العشر سنوات الأخيرة عن أهمية احترام حقوق الطفل بالمغرب، بهدف تجاوز
أماكن الضعف القائمة في هذا المجال، قانونيا وثقافيا وتربويا. وإذا كنا نسمع
ونشاهد ونقرأ عن العديد من الإنجازات الفعلية والمشاريع الواعدة في هذا الميدان،
فإن ما يمكن الإشارة إليه في هذا المجال هو افتقادنا إلى الدراسات والأبحاث
"العلمية" المتخصصة، الكفيلة بالدفع قدما، وبإيقاع أسرع، إلى ترسيخ
ثقافة حقوق الطفل مجتمعيا في أسسها وأبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية. أي
الدراسات والأبحاث القادرة على المساهمة بقسط أكبر على تغيير المواقف والقيم
والقناعات والممارسات السائدة، أسريا وتربويا. فمن أهم مميزات البحث العلمي
ومعارفه، قدرته على معارفنا وقناعاتنا، والتحرر من ثقل ووطأة السائد والراسخ
المخالفة لحقائق المعطيات ومستجدات الاكتشافات العلمية.فماهو مستوى حضور هذه
الاكتشافات العلمية في مجال حال ثقافية حقوق الطفل بالمغرب؟، وخاصة منها المعارف
العلمية السيكولوجية الحديثة، والتي أحدثت "ثورة معرفية" فعلية – كما
سنشاهد ذلك جميعا من خلال الشريط الذي سنضعه عليكم عند بداية هذا النشاط العلمي،
فيما يتعلق بشخصية الطفل، بكفاءاته ومؤهلاته وإيقاعاته، وبفاعليته وبسيرورة نماءه،
وبسلوكه الإرادي وآليات التنظيم الذاتي...، وغيرها من السمات والخصائص والسلوكات،
التي أصبحنا نعتبرها اليوم من أسس ودعامات مشروعنا المجتمعي الديمقراطي وثقافة
المواطنة.
إن
المعرفة العلمية هي معرفة بالأساس مساءلة ومتحاججة باستمرار،افتراضية وبرهانية؛
تنقلنا باستمرار من فضاءات المجهولإلى فضاءات المعلوم، ومن فضاءات الراسخ إلى
فضاءات التجديد والتغيير. وهذا ما يجعلها غالبا تبتعد عن المعرفة العلمية
اليقينية، ولا تركن إلى بداهة المعارف الانطباعية أو الراسخة ثقافيا، ما لم يتم
البرهنة على مصداقيتها، وفق شروط واجراءات منهجية موضوعية، تبقى قابلة للإعادة
والبرمجة الإجرائية. وهو ما يجعل منها "حصنا" واقيا ضد المعارفاليقينية –
المطلقة، والتمثلات والممارسات السلبية الراسخة لدى العديد من الأوساط والشرائح من
المجتمع وهو ما سيلاحظ بعض مؤشراته وملامحه الدالة، من خلال المداخلات الواردة في
هذا النشاط العلمي للمرصد وبتعاون مع جمعية علم النفس والتنمية حول أسس ودعامات
حقوق الطفل السيكولوجية. إن أغلبية هذه المداخلات، ستجعلنا نحلل ونناقش العديد من
المرجعيات والتمثلات والممارسات التربوية السائدة مجتمعيا، في علاقتها مع مكونات
الطفل والطفولة. وهي كما نعلم، من القضايا الشاغلة اليوم داخل الأوساط الأسرية
والتعليمية والمدنية والحقوقية والسياسية. كما أنها ستجعلنا نقف على على حدود
مصداقية العديد من الدراسات والأبحاث النفسية والاجتماعية والأنثروبولوجية،
المهتمة بموضوع الطفل والطفولة بالمغرب؛ ذات الطروحات والفرضيات المنتمية إلى
براديغم "التنشئة الاجتماعية" ومرجعياته – الثقافية المعيارية، السائدة
والراسخة مجتمعيا؛ والتي من شأنها أن تحد من ترسيخ ثقافة التربية الديمقراطية
وحقوق الطفل السيكولوجية داخل مجتمعنا.
إن
كل مؤسسة علمية وجمعية مدنية، تنشد المساهمة في تحديث وتطوير المجتمع وعقلنة
مواقفه وتمثلاته وممارساته، عن طريق "المعرفة العلمية" وثقافة أوراشها
وممارساتها المنهجية المتميزة، لا بد لها من رؤية واضحة لمشروعها المجتمعي المدني
والعلمي، ولأهدافه الأساسية، ولأنشطته العلمية منها والمجتمعية.وكما تلاحظون،
فموضوع هذا النشاط العلمي التحسيسي يطرح للدراسة والنقاش، قضية من أهم القضايا
الشاغلة أسريا وتربويا،، بل وسياسيا كذلك. سنعمل، من خلال هذا اللقاء، على التفكير
فيها وتداولها عبر مقاربة معرفية "متميزة". متميزة على أي مستوى؟ متميزة
على مستوى المنهج؛ وعلى مستوى الطرح والمعالجة؛ وعلى مستوى المرجعية المؤسساتية
والمدنية.
-
فعلى مستوى المنهج، ومن خلال البرنامج الموجود بين أيديكم، تلاحظون على أننا
سنفتتح لقاءنا المعرفي لهذا الصباح بعرض شريط من إعداد مرصد الطفولة والمراهقة،
عنوانه "شخصية الطفل كفاءاته، إيقاعاته وتفاعلاته. "مستجدات البحث
العلمي". أي أننا سنعاين "بالملموس" وسنشاهد اكتشافات وحقائق مبرهن
عنها علميا، من خلال منهجية "المعاينة المباشرة" للدلائل والمؤشرات
الموضوعية، المصحوبة بتوضيحات وتحاليل وتفسيرات تهم عدة قضايا شاغلة في مجال علم
النفس الطفل، المقدمة من طرف أبرز الباحثين والأخصائيين في هذا المجال على الصعيد
العالمي.
-
ومتميزة كذلك على مستوى الطرح والمعالجة، لكونها – ومن خلال العروض وطروحاتها
ومقاربتها للعديد من المواضيع الشاغلة – ستجعلنا ندرك مدى أهمية مثل هذه الأنشطة
واللقاءات العلمية المفتوحة، في طرح ومعالجة وفهم ونقاش، ما يشغلنا مجتمعيا وأسريا
وتربويا. فعندما نطلع – وربما لأول مرة – على مجموعة من الحقائق والاكتشافات
العلمية، حول موضوع دال سيكولوجيا وثقافيا، فإننا كأفراد وجماعات، تنتطم لدينا
معارف وحقائق جديدة، نبقى على الأقل مطالبين بإدراجها ضمن حواراتنا واجتهاداتنا،
قبل أن تتحول إلى: تمثلات ومواقف وممارسات ناظمة لسلوكاتنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا.
-
ومتميزة كذلك على مستوى المرجعية المؤسساتية والمدنية، لكوننا نتواجد داخل فضاء
جامعي. أي الفضاء الأكثر ملاءمة لطرح ومعالجة، "معرفيا" و
"مؤسساتيا"، لمثل هذه القضايا الشاغلة للمجتمع المغربي، كقضايا: التربية
والديمقراطية والأسرة وحقوق الطفل ...إلخ. لماذا؟، لأن الجامعة المواطنة المنفتحة
على المجتمع وقضاياه الشاغلة هي بالأساس فضاء "أوراش البحث
العلمي"،وبالتالي فضاء التساؤل والاجتهاد وإفعال الفكر؛ وفضاء الحوار والنقاش
والحداد والبرهان والدحض القائم على مستجدات واكتشافات الدراسات والأبحاث العلمية؛
والتي تمكننا مجتمعيا من تجديد وتطوير المعارف، ومن الابتعاد والتحرر من وطأة
السائد والراسخ من المواقف والقناعات المنمطة.
ومن هنا تدركون معنا، بأن المرصد – كمؤسسة
علمية جامعية – هو أوراش للدراسة والبحث والتواصل والحوار المجتمعي – المعرفي ذات
المرجعية العلمية، والأبعاد المجتمعية الهادفة إلى نشر وترسيخ ثقافة ديمقراطية
"متقاسمة"، ناظمة للعقليات والممارسات والعلاقات؛ مرجعيتها ومصدرها
المعرفة العلمية وأوراشها الجامعية الاستكشافية والتجديدية. وثانيا، وعلى المستوى
التحسيسي والتأهيلي، فإن هذه الاكتشافات العلمية ومستجداتها تشكلبالنسبة للمرصد
ولجمعية علم النفس والتنمية ولأهدافهما المتكاملة، أداة بيداغوجية للتحسيس
والإرشاد والتدخل والتكوين والتأطير، لنقل الكفاءة والخبرة العلمية، ولتغيير
التمثلات والقناعات والممارسات الراسخة تربويا وثقافيا ومؤسساتيا والتي توجد، في
تعارض دال مع نتائج واكتشافات المعرفة العلمية.
وحتى لا نطيل عليكم، ندعوكم لمشاهدة الشريط،
الذي من خلاله سنقف جميعا على عدة حقائق ومعطيات واكتشافات علمية في مجال الطفولة،
والتي أصبحت تشكل اليوم احدى المرجعيات الأساسية لثقافة التربية الديمقراطية وحقوق
الطفل السيكولوجية.
فاس: 26 أبريل، 2001
التربية الديمقراطية وحقوق الطفل السيكولوجية بالمغرب
الأستاذ: عبد الرحيم عمران
1- الديمقراطية المجتمعية وآليات التنظيم والتدبير الذاتي.
1.1-
من المجتمع إلى الطفل.
إذا كان مفهوم الديمقراطية
"مجتمعيا"، في احدى دلالاته الأساسية، يحيلنا إلى آليات التنظيم
والتدبير الذاتي الفردي والجماعي داخل فضاء مجتمعي معين؛ أي إلى تنظيم وتدبير
الناس - أفرادا وجماعات- لشأنهم الخاص والعام بأنفسهم كفاعلين اجتماعيين
وكمواطنين؛ فإن هذا التنظيم والتدبير الذاتي - الفردي منه والجماعي - كمنظومة
مرجعية للسلوك الإرادي يقتضي وجود كفاءات ومؤهلات وقدرات ذاتية وجماعية تنتظم
وتتفاعل داخل مرجعية مجتمعية متعاقدة إراديا ومنتظمة مؤسساتيا، تقر بالمساوات
والتعددية والحوار والتشارك؛ وبالتالي بحق "الجميع" أفرادا وجماعات في
تدبير "أوساطهم الحيوية" الشخصية منها والعمومية، بصفتهم "مواطنين
لهم من ماحية مكانتهم وحضورهم الفعلي في تنظيم وتدبير "الحي" ومرافقه،
ولهم كذلك "مرجعية مشتركة" المحصنة بمشاعر الانتماء والتعلق
و"الهوية المجتمعية المشتركة"، أي ما نصطلح عليه اليوم ب"روح
المواطنة".
وتعود أهمية المكونات والسمات السالفة الذكر،
إلى كونها تبقى معبرة في أسسها ودعاماتها عن "طبيعة" الإنسان
"إنسانيته"، وبالتالي عن نزعته ومشاريعه الفردية والجماعية، الضامنة
لسعادته وحريته ولانصهاره واندماجه ولفاعليته ولمشاركته، ولرفاهيته وسلمه
المجتمعي.
وهذا ما يميز اليوم المجتمعات الديمقراطية،
على اعتبار هذه القدرة على التنظيم والتدبير الذاتي للشأن الخاص والعام، وتشكل
"مرجعية" مجتمعية وثقافية أساسية وممارسة فعلية، تظل حاضرة على جميع
المستويات وداخل مختلف الفضاءات والمؤسسات، من الأسرة، إلى المدرسة، إلى الإدارة،
إلى المقاولة، إلى المؤسسات السياسية، إلى الشارع، والحياة اليومية. أي كسيرورة
وقيم وممارسات ومشاريع؛ تهدف جميعها إلى جعل "الإنسان – المواطن" –
الفاعل والمشارك والمنصهر-، المرجعية المجتمعية الأولية لدساتيرها وثقافتها وقيمها
الأسرية والتربوية والثقافية والاقتصادية. وهو ما أصبح يشكل اليوم بالنسبة
لمجتمعنا المغربي المشروع المرجعي المنشود، الذي يسعى إلى أن يجعل من الإنسان
المغربي-من طفولته إلى كهولته- ومن أسس كرامته ودعامات انصهاره ومشاركته ورفاهيته،
"المرجعية الثابتة" لديمقراطيته المجتمعية.
من خلال هذه القراءة الأولية لمفهوم ومحتوى
الديمقراطية المجتمعية في علاقتها مع مكانة "الإنسان - المواطن" وآليات
التنظيم والتدبير الذاتي، الفردي والجماعي، تندرج مداخلتي هذه للوقوف على بعض
الحقائق والمستجدات العلمية المتعلقة بكفاءات الطفل وفاعليته وآليات التنظيم
والتدبير الذاتي لديه، في علاقتها مع أساليب المعاملة والإشراف التربوي الأسري منه
والمدرسي؛ باعتبارهما المؤسسات والمرجعيات الأولية لكل مشروع مجتمعي ديمقراطي
القيم والقناعات والممارسات والمشاريع. ولا يخفى على أحد اليوم، في ظل مكونات
المؤسسة الأسرية المغربية "التقليدية" والمؤسسة التعليمية بثقافتها التربوية
"السلطوية" والترويضية السائدة، ما يتطلبه هذا المشروع المجتمعي
الديمقراطي من تغيير في العقليات والممارسات بكيفية إرادية وواعية أي المدركة
لفضائل وإيجابيات الأسلوب التربوي الديمقراطي، داخل مجتمع أصبح يتميز بإيقاع
التحولات السريعة وبتعدد وتنوع المرجعيات المعرفية والتربوية والمؤسساتية
والمشاريعية.
2.1- التربية الديمقراطية كمشروع وممارسة.
إن "التربية" كمنظومة ثقافية ذات
مرجعية مجتمعية، لها على قيمها وتمثلاتها وأهدافها المتميزة، هي أساسا أسلوب ونهج
وممارسة ومعايير مرجعية ناظمة "للتنظيم" و"التدبير" الذاتي،
الفردي والجماعي. من هنا دلالة ومحتوى مفهوم "التربية الديمقراطية" التي
أريد التحدث عنها، وخاصة على مستوى كل من " الأسرة"
و"المدرسة" كما ذكرت. فكل تربية- كمنظومة مرجعية – على مستوى هاتين
المؤسستين ، تقتضي أولا وجود "مشروع تربوي" واضح المعالم والمرتكزات
والأهداف لما ينبغي تبنيه وممارسته من قواعد وأساليب "التدخل" وأشكال
"التواصل" و"التفاعل" و"التبادل"
و"التدبير" الأسري والمدرسي مع "الطفل". والتربية بهذا
المفهوم، أي "كمشروع" هادف وأسلوب "إرادي" تفاعلي وتدبيري،
تتطلب كذلك "الوعي" بنتائج الأساليب والممارسات المتبعة مع
"الطفل" في علاقتها مع خصوصياته النمائية وحاجياته وفاعليته الذاتية.
فكل تربية بهذا المعنى لا بد لها من أسس معرفية وتواصلية وإشرافية
"واضحة" لما ينبغي سلوكه وتوفيره، لتفعيل وحفز آليات التنظيم والتدبير
الذاتي لدى الطفل؛ وفق أساليب وقواعد وممارسات مرجعية تتماشى وتتناغم وخصائص
مؤهلاته وإيقاعاته وكفاءاته وفاعليته وسيرورة نماءه.
3.1- من التربية السلطوية إلى التربية
الديمقراطية.
من أهم مميزات المجتمع التقليدي المغربي
مؤسساتيا، أنه مجتمع يتميز "تربويا" بسيادة منظومة العلاقات
"السلطوية" الهرمية، وبقنوات ومعايير التنشئة الاجتماعية الضاغطة،
المقننة والضابطة لسلوكات الأفراد؛ تحبذ سيادة ومواقف الامتثال والمسايرة والخضوع
لدى الأطفال، وتعمل بمرجعية ثقافة وممارسات "الترويض". وهو ما يجعل من
الأسلوب التربوي السلطوي، الأسلوب المرجعي المفضل والسائد داخل المجتمع التقليدي
ومؤسساته التربوية المرجعية (كنزة المراني العلوي، 1986؛ محمد بودودو، 1987؛
المصطفى حدية، 1988؛ عايشة بلعربي، 1991...). فإلى أي حد يتلاءم ويتناغم هذا
الأسلوب السلطوي - الترويضي مع مكونات شخصية الطفل؟؛ وإلى أي حد يظل قادرا للإجابة
عمليا على العديد من الانشغالات الأسرية والتربوية الحالية والمستقبلية؟. داخل
وضعية مجتمعية متجددة ومتغيرة، واعدة ومقلقة كذلك إلى حد ما! أصبحت تفرز معها مجموعة من ردود الفعل
الحادة أحيانا الباحثة عن "مناعة" أسرية وتربوية-تعليمية
"أصيلة" أكثر توازنا وانسجاما وتناغما. ثم لماذا نذهب إلى القول بأهمية
وأفضلية "التربية الديمقراطية"؟، وماهي الأسس والمرجعيات المعرفية-
العلمية لهذا المشروع والنهج التربوي الديمقراطي "البديل"؟.
في البداية، ومن باب المرجعية العلمية
المهتمة بهذه القضايا الشاغلة مجتمعيا، سأشير فقط إلى أن الدراسات المتخصصة حول
الطفل والطفولة، وخاصة خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1970-2000)، قد غيرت وبكيفية
" نوعية" من "نظرتنا" إلى الطفل. فمن كائن بشري عاجز وغير
مكتمل النضج، و"تابع" كليتا للآخر...إلخ، إلى طفل ذو "شخصية"
متميزة منذ الولادة، يتمتع بتنظيم ذاتي أولي (Brazelton,
1981 ;1982 ;1991) وبمؤهلات
وكفاءات متعددة، تجعله قادرا على التفاعل بإيجابية وديناميكية "تبادلية"
مع الآخر، أي "كشريك" فاعل ومتفاعل داخل وسطه "الحيوي" منذ
ولادته (.1994,1988,1983,
1978,Montanger ;1974,1983,Zazzo;) إن هذه
الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال الطفولة حول شخصية الطفل ككائن معرفي وجداني
واجتماعي التكوين والنشأة، أصبحت تفرض علينا مقاربة جديدة للطفل ولمكانته داخل
المجتمع المغربي ولحقوقه كذلك. وهو ما سنعمل على توضيحه بكيفية أكثر تفصيلا خلال
هذه المداخلة، على اعتبار أن المرور من "تربية سلوكية" إلى "تربية ديمقراطية"،
يقتضي معرفيا وسلوكيا ومشاريعيا التعرف على مكونات وسمات شخصية الطفل، بكفاءاتها
وإيقاعاتها وفاعليتها النمائية؛ والعمل على احترامها وحفزها ورعايتها تربويا ،
بكيفية تجعل من آليات التنظيم والتدبير الذاتي ومن السلوك الإرادي والانصهار
النفسي والاجتماعي للطفل المغربي "المشروع التربوي" لأسرنا ومدارسنا
وفضاءاتنا المجتمعية بشكل عام.
2-
الثقافة الديمقراطية وعلم النفس
الحديث.
لقد اهتم تاريخيا علم النفس الحديث
بمجموعة من القضايا الشاغلة مجتمعيا، والتي تصب جميعها في مجال الثقافة والتربية
الديمقراطية وأسسها الإنسانية والمؤسساتية، ساهمت فيه وبكيفية دالة ظروف مجتمعية
وثقافية واقتصادية وسياسية دولية وجهوية "حرجة"، تميزت مجتمعيا وسياسيا
بإيقاعات التحولات والتغيرات السريعة، وبمشاريع الهيمنة والتسلط الإيديولوجية
والعنصرية لدى البعض من ناحية، ومن ناحية أخرى ولدى البعض الآخر، بالرغبة في التحرر
من ثقل أوضاع ومؤسسات مجتمعية وسياسية أصبحت تضر بالإنسانية وبنظمها الديمقراطية،
وبالتالي بكرامتها وبحقها في الحرية والاختيار والتعايش السلمي والودي والسلم
المجتمعي.
فهكذا نجد مثلا "كورت
ليفين" ومدرسته النفسية الاجتماعية الديناميكية- مع بداية صعود النازية
والفاشية في أروبا؛ وخاصة مع بداية الحرب العالمية الثانية-، يؤسس للدراسات
النفسية-الاجتماعية تنظيرا ومخبريا وميدانيا، حول موضوع "الأساليب
القيادية" التدبيرية داخل "الجماعات الصغرى"؛ ثم لاحقا حول
"الأساليب" التربوية والتسييرية المؤسساتية. مصنفا إياها إلى مرجعيات
ثلاث: الأسلوب القيادي – التدبيري "السلطوي"؛ والأسلوب القيادي –
التدبيري "اللامعياري"؛ والأسلوب القيادي – التدبيري
"الديمقراطي" (Lewin 1972)
وستمتد لاحقا أجرأة إشكالية هذه
الدراسات العلمية الرائدة حول أسس وآليات ونتائج هذه الأساليب القيادية – التسييرية
والتدبيرية الثلاثة (السلطوية، واللامعيارية، والديمقراطية) إلى مختلف الميادين
والقطاعات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والإدارية والإنتاجية، إلى يومنا هذا (Lévy 1978 ;Beauvois et
joule,1981 ;Monteil,1989 ;Lemoine,1992…) كما ستهتم
دراسات وأبحاث علم النفس الاجتماعي الديناميكي كذلك، وفي هذه المرحلة
"الحرجة" بإشكالية تغيير العقليات والسلوكات الفردية والجماعية، مبينة –
علميا – مدى أهمية الحوار والنهج الديناميكي "التشاركي""participatif" في حفز
وتفعيل الإرادات والإحساس بالمسؤولية في المساهمة الفعلية كذلك في تغيير المواقف
والسلوكات والممارسات السائدة(Leyens,1979 ;Ghiglione
et al, 1990 ;Doise et Moscovici,1992…) كما أن نكسات ومخلفات الحرب العالمية الثانية في
"مجال الطفولة" وخاصة في مجال "الرعاية" النفسية الاجتماعية
للأطفال اليتامى والمشردين ضحايا الحرب، ستجعل دراسات وأبحاث مجموعة من الأخصائيين
النفسانيين الإكلينيكيين أمثال SPITZ et BOWLBY تثير الانتباه
لحاجيات "الطفل" و "الطفولة" إلى "الرعاية" و
"الدفء" السيكولوجي – باعتباره كائن وجداني -، وإلى مدى ثقل
"الخصاص" السيكولوجي الوجداني في هذا المجال على مستوى ظواهر ومظاهر
"الاكتئابية" والانطواء والانسحابية والانتحار "السيكولوجي
اللاشعوري" للعديد من الأطفال المتواجدين في المصحات ومؤسسات "الرعاية
الاجتماعية".
ونحن نعلم جميعا كيف أثرت نتائج مثل
هذه الدراسات النفسية على المحافل الدولية وعلى خبراءها أثناء صياغة ما يعرف اليوم
دوليا بميثاق "حقوق الطفل".
إلا أن مساهمة علم النفس في هذا
المجال عند ما سبق ذكره، بل إنها ستعمل باستمرار على تعميق الوعي والتحسيس بمكانة
الطفل وبشخصيته المتميزة عن طريق مجموعة من الدراسات العملية المتخصصة ونتائجها؛
بحيث سنلاحظ أن "الطفل" سيكولوجيا ومجتمعيا سيعود من جديد وخاصة مع
بداية السبعينات، ليحتل الصدارة معرفيا وثقافيا وعلميا؛ ولتغير هذه الدراسات من
جديد، الكثير من قناعاتنا ومواقفنا وممارساتنا الأسرية والتربوية والاجتماعية.
وذلك انطلاقا من مجموعة من الاكتشافات العلمية التي أحدثت "ثورة معرفية"
جديدة على هذا المستوى، مبرهنة على أن الطفل البشري يأتي إلى العالم الخارجي، أي
منذ ولادته، بمؤهلات وكفاءات وإيقاعات وفاعلية ذاتية متميزة؛ ستجعله يكتسب صفة
الكائن المعرفي والوجداني والاجتماعي "الفاعل Acteur" و
"الشريك Partenaire" ذو
"التنظيم الذاتي" المنفتح والمتفاعل مع وسطه. مما سيفتح المجال من جديد
للحديث عن "حقوق الطفل السيكولوجية" برؤية جديدة ومنظور أوسع من السابق.
3- التربية الديمقراطية وحقوق الطفل
بالمغرب
1.2-
الطفل بين
مستجدات البحث العلمي وأطروحات التنشئة الاجتماعية.
إن صورتنا عن
"الطفل"، أي عن شخصيته ونموه وكفاءاته وفاعليته وديناميكيته، كما أشرت،
قد تغيرت بكيفية جذرية خلال الثلاثين سنة الأخيرة، من خلال مستجدات واكتشافات
المعرفة العلمية المتخصصة. فما الذي تغير على مستوى معارفنا ومكتسباتها العلمية في
هذا المجال؟.
إن الذي تغير
وبكيفية متحقق منها علميا هو أن:
§
للطفل ومنذ
ولادته "إيقاعات rythmes" نمائية – تكوينية، بيولوجية وسيكولوجية ذاتيةمتميزة؛
§
للطفل ومنذ
ولادته مؤهلات وكفاءات ولادية: جسمية – حركية، معرفية – كفائية، ووجدانية –
تواصلية؛
§
للطفل نزعة
تلقائية للاستقلال والتنظيم الذاتي، يفصح عنها مبكرا منذ الأشهر الثلاثة الأولى من
ولادته، وبكيفية متميزة منذ الشهر الخامس والسادس من عمره.(Ibid.
Montanger, Brazelton)؛
§
للطفل ومنذ
الولادة جهاز تنظيمي متميز ذو مرجعية ذاتية، بإيقاعاته ومؤهلاته وكفاءاته
وديناميكيته النمائية؛
وهذه
المعطيات والحقائق المعرفية – العلمية الجديدة، أصبحت تفرض علينا اليوم مجتمعيا
وأسريا وتربويا، النظر إلى الطفل "بمجهر" معرفي مغاير، وإلى بلورة
أساليب تربوية ملائمة ومسايرة لشخصية الطفل ودينامية إيقاعات سيروراته النمائية.
فعلم النفس النمائي يبين لنا اليوم بأن "الطفولة" هي عبارة عن سيرورة نمائية و"بناء
ذاتي" (ZAZAO ، 1983). وكل بناء ذاتي
يفترض بالضرورة وجود "كفاءة" و"فاعلية ذاتية" و"مجالا
خارجيا" مشجعا لهذه المرجعية التنظيمية النمائية للطفل.
2.3 – تساؤلات أولية في مجال حقوق الطفل السيكولوجية
بالمغرب.
في ظل هذه الحقائق و المعطيات عن مؤهلات
وكفاءات وإيقاعات "شخصية الطفل"، وفاعلية جهازه التنظيمي الذاتي، ما هي
نوعية التمثلات والمواقف والقناعات والممارسات "السائدة" مجتمعيا
وثقافيا عن الطفل والطفولة داخل أسرنا ومؤسساتنا التربوية والثقافية والمدنية؟؛
وما مدى إلمامها واحترامها لهذه السمات والخصائص السالفة الذكر عن الطفل والطفولة
؟؛ وكيف تتدخل "أساليب" الإشراف و"التنشئة الاجتماعية"
السائدة في تفعيل أو تعطيل هذه المؤهلات والكفاءات والإيقاعات، ونزعة الطفل
التلقائية إلى تدبير والتنظيم الذاتي، وإلى التفاعل الإيجابي مع وسطه؟.
3.3- طروحات "التنشئة الاجتماعية" وحدود
مرجعيات "التوافق" و"الإدماج الاجتماعي" للطفل.
لقد كرس – تاريخيا – كل من مفهوم وطروحات
"التنشئة الاجتماعية" في دلالاتها ومحتوياتها السوسيولوجية والثقافية
والسيكولوجية، سلبيات مقولة "التوافق" و"الإدماج" الاجتماعي،
بكل مخلفاتها وحدودها المعرفية والتواصلية والتربوية، فيما يتعلق بمكانة ودور
"الطفل" في سيرورة نماءه وانبناء شخصيته واستقلاله الذاتي. وهو ما تولد
عنه معرفيا وثقافيا ومؤسساتيا، مجموعة من "التمثلات" والطروحات
و"الممارسات" شكلت وإلى وقت قريب ما يمكن أن نسميه ب "العائق الإبستمولوجي"
في هذا المجال، بل وحتى في مجال علم النفس
النمائي والتربوي بالمغرب. والمناظرات واللقاءات والكتابات المهتمة بالطفل
والطفولة بالمغرب خير دليل على ما أقول (المصطفى حدية، 1988، 1991؛ مبارك ربيع،
1991؛ مبارك ربيع و آخرون 1993؛ عبد السلام الداشمي، 1995؛ محمد مصطفى القباج،
1997 ...).
لماذا هذه المفارقة المعرفية؟، لأن معظم هذه
الدراسات و الكتابات مازالت "راسية" عند طروحات "دوركايم"
(1922 ؛ 1925 ...) في مجال علم الاجتماع، وعند طروحات كل من "فرويد"
و"بياجي" و"جيزل"، و"واطسن" ... إلخ، في مجالي علم
النفس النمائي والتربوي. في حين وكما ذكرت في البداية فإن أهم ما يميز الدراسات
العلمية الحديثة خلال الثلاثين سنة الأخيرة، هو إبرازها واهتمامها بمؤهلات وكفاءات
وإيقاعات وفاعلية الطفل، وقدرته على التفاعل الإيجابي مع وسطه، ونزعته الديناميكية
إلى التنظيم والاستقلال الذاتي، وتدخله الإيجابي على مجرى الوقائع والأحداث كعنصر
"فاعل" و"كشريك" ديناميكي، منذ ولادته. وهذا منظور يظل بطبيعة
الحال "مخالفا" في معارفه ومرتكزاته وأهدافه وممارسته لمنظور
"التنشئة الاجتماعية"، باعتبارها تبقى بالأساس عملية "تطبيع"
و"ترويض" و"قولبة" مجتمعية للطفل.
فإذا كان من المألوف عند أغلبية الباحثين
المغاربة "وصف" الطفل الرضيع عند الولادة مثلان سيكولوجيا وعلائقيا،
ككائن يعيش في عالم "غير متميز"، وبنزعة "نرجسية"
و"تمركز حول الذات" وبدون القدرة على تنظيم سلوكاته وتفاعلاته بفاعلية
وتنظيم ذاتي، فإن هذا "المنظور" وكما يقول P. Mounoud (1985، ص 256) قد
"تغير" اليوم بفضل الدراسات التي أثبتت وجود كفاءات متعددة لدى الطفل
الرضيع منذ الولادة، تمكنه من القيام بالأنشطة الأكثر "تعقيدا" كمحاكاته
لأنشطة تعابير الوجه وتعابير اليد مثلا. وهذا ما يستدعي القول – حسب Moumoud (ص 57) – بأن الطفل الرضيع
"يمتلك" ومنذ الولادة "كفاءة" أولية عن "تمثل"
العالم الخارجي، والتي تأخذ في التمايز والتخصص خلال فترات النمو المتعاقبة.
إن أهمية التعرف مجتمعيا على مثل هذه الحقائق
والاستشهادات العلمية المتخصصة، تعود في نظري إلى أن مجال حقوق الطفل السيكولوجية
يحيلنا بالضرورة إلى مجال أساليب التربية والرعاية والممارسات السائدة داخل
مؤسساتنا الأولية، وعلى رأسها الأسرة والمؤسسة التربوية – التعليمية. وكما شاهدنا
معا هذا الصباح، وبنوع من التفصيل، فإن مجال المعرفة والبحث العلمي السيكولوجي
النمائي، من خلال اكتشافاته، قد انتقل بنا مما كان سائدا وراسخا من طروحات وقناعات
حول أهمية وإجرائية مفاهيم وأساليب "التهذيب" و"الترويض"
و"التلقين" و"الإدماج" المجتمعي للطفل، إلى مرجعية وإجرائية
مفاهيم "الكفاءة" و "الفاعلية" و "التبادل –
التشاركي" المتناغم، و "الإيقاعات الذاتية" و "التنظيم الذاتي"
و "الاشتغال المعرفي"... ؛ على اعتبار أن الطفل ومنذ ولادته، يظل
"كائنا كف ءا" و "فاعلا" و "شريكا ديناميكيا"، أي
"كنظام نمائي" فاعل ومتفاعل، له مرجعية وتنظيم ذاتي تمكنه من المساهمة
بكفاءة ذاتية في دينامية تفاعلاته و "نشأته الاجتماعية" ونموه. وهذه
المستجدات المعرفية – العلمية عن الطفل والطفولة، أصبحت تتطلب منا في المغرب
الانتقال مجتمعيا وثقافيا إلى بلورة وترسيخ تمثلات وممارسات أسرية وتربوية
ومجتمعية "مغايرة"، بعيدة كل البعد عن تمثلات وممارسات الترويض والتطبيع
والتهذيب "السلطوي" "لشخصية" الطفل. وفي ظل هذا التوجه
المعرفي – العلمي الجديد الذي نحن بصدد الحديث عنه، سنلاحظ ظهور مزيدا من الدراسات
والأبحاث السيكولوجية النمائية المتخصصة في مجالات : إيقاعات rythmes، وكفاءات Compétences، وسيرورات التنظيم
الذاتي النفسي والاجتماعي للطفل، وآليات وكفاءات التواصل والتفاعل البيني لديه،
سواء في علاقاته مع الراشدين أو مع الأقران. وستساهم نتائج هذه الدراسات المتخصصة
في الكشف عن المزيد من الحقائق المرتبطة بمكونات شخصية الطفل، والتي ستغير بشكل
جوهري الصورة السابقة والراسخة مجتمعيا وثقافيا عن الطفل والطفولة؛ بحيث سيصبح
الإشكال المطروح "تربويا" حاليا، هو معرفة كيف تتدخل مختلف الأوساط
والمؤسسات المجتمعية إيجابا أو سلبا في حفز وتنمية أو في إعاقة أو الإخلال بهذه
المؤهلات والكفاءات والإيقاعات والفاعلية التكوينية النمائية للطفل !.
وكمثال توضيحي لأهمية هذا التوجه التربوي
الجديد ؛ بالنسبة لنا في المغرب – ونحن مقبلون على إدخال إصلاح جوهري على منظومتنا
التربوية – التعليمية -، الدراسات والأبحاث المتخصصة حول "إيقاعات"
الطفل الذاتية "المعرفية النمائية" في علاقتها مع "جودة"
اشتغاله المعرفي المؤسساتي، أو المدرسي. ولا يخفى علينا جميعا مدى أهمية مثل هذه
الدراسات العلمية ونحن نعمل اليوم على إصلاح تعليمنا من منظور ومقاربة جديدة.
فنتائج هذه الدراسات تبين لنا مثلا بأن إيقاعات "الزمن السيكولوجي"
للأنشطة الذهنية "المعرفية" للطفل "ليست متجانسة" في عملها
وفي مردوديتها، أي أنها لا تعمل بنفس الفاعلية والمردودية خلال مختلف أوقات وساعات
اليوم الدراسي وأيام الأسبوع ؛ وخلال مختلف الفترات العمرية النمائية للطفل. كما
أن نتائج هذه الدراسات تبين لنا بأن "شبكة كفاءات" الطفل المعرفية لا
تشتغل جميعها بنفس الكفاءة والمردودية في نفس الوقت في علاقتها مع مختلف المواد الدراسية؛
كما أنها تعرف تغيرات وتقلبات ذاتية دورية زمنيا، خلال اليوم الدراسي. أي أن نتائج
هذه الدراسات تبين لنا بأن ارتفاع نشاط ومردودية بعض الكفاءات المعرفية للطفل داخل
أنشطة تربوية – تعليمية معينة، تصاحب زمنيا بانخفاض مرحلي في كفاءات معرفية أخرى،
كما هو الشأن بالنسبة للكفاءات المعرفية اللغوية مقابل الكفاءات المعرفية المجالية
مثلا، أو بالنسبة للذاكرة الدلالية مقابل الذاكرة الصورية ...إلخ، وهكذا. كما تبين
لنا هذه الدراسات بأن إيقاع نشاط مختلف هذه الكفاءات المعرفية السالفة الذكر
وغيرها، يعمل بفاعلية ومردودية دورية ذاتية "متباينة" خلال ساعات اليوم
الدراسي وأيام الأسبوع وفصول السنة ...إلخ.
إن التعرف على مثل هذه الحقائق المعرفية
المتعلقة بإيقاعات الطفل النمائية وإيقاع نشاط كفاءاته الذهنية، وبالشروط الملائمة
لجودة اشتغالها، والتركيز على أهميتها في إعداد البرامج التعليمية في العديد من
الدول المتقدمة ؛ تشكل اليوم "مؤشرا" هاما على الدور والمكانة المتميزة
التي أصبح يحتلها "الطفل" داخل المنظومة المؤسساتية التعليمية. على
اعتبار أن هناك اعترافا صريحا بكون الطفل يمتلك "تنظيما وايقاعا زمنيا ذاتيا"،
تؤطر وتنظم سيرورة مؤهلاته وكفاءاته وفضوله ومتعته "المعرفية"؛ والتي
ينبغي العمل على "احترامها". بحيث أصبح من المتعذر اليوم، ومن غير
المستصاغ "التخطيط" و "البرمجة" لأنشطة الأطفال
"معرفيا" و "زمنيا" داخل المؤسسات التربوية – التعليمية دون
الأخذ بعين الاعتبار "إيقاعات" الطفل البيولوجية والسيكولوجية، وبالتالي
إيقاعات نشاطه الذهني وكفاءاته، بكيفية تضمن له استثمارا ملائما وافضلا لمؤهلاته
وقدراته وفاعليته، وتجنبه بالتالي مشاعر العياء والضجر وعدم المسايرة وقلة
المردودية الذاتية. وهذا ما يجرنا للتساؤل والحديث عن مدى توظيف مؤسساتنا التعليمية
التربوية – من الأولي إلى الثانوي – لهذه المعطيات والحقائق السيكولوجية في إعداد
وتدبير موادها وأنشطتها داخل برامجها التعليمية ؟، وبالتالي مدى حضور وتوظيف هذه
الحقائق العلمية داخل مرتكزات ودعامات "ميثاق التربية والتكوين" ؟.
وفي نفس الاتجاه والاهتمام العلمي والمجتمعي
"بحقوق" الطفل "السيكولوجية" بالمغرب، يمكننا الحديث عن
"إيقاعات الحياة الأسرية" و "إيقاعات الطفل" على مستوى
"أوقات" النوم واليقظة، في علاقتها مع "جودة" اشتغاله
المعرفي، منظورا إليها مثلا من خلال "أوقات" مشاهدة التلفزة و
"الأسلوب" التربوي الأسري السائد على هذا المستوى ؛ وعلى مستوى فضاءات
الحياة الأسرية وإيقاعاتها الثقافية بشكل عام. أي أساليب ومواقف الآباء في تنظيم
إيقاع حياتهم الأسرية بما يتماشى ويتلاءم مع إيقاعات أطفالهم وحاجياتهم الذاتية
والضرورية على مستوى "النوم" وجودته. فالدراسات العلمية تبين لنا مثلا،
بأن النوم المتأخر للأطفال بسبب مشاهدتهم للأفلام أو المسلسلات ...، أو بسبب
"مسايرتهم" لإيقاع حياة الآباء وأفراد العائلة، عادة ما تكون له
انعكاسات سلبية على كفاءات الطفل "المعرفية" وبالتالي على مردوديته.
فهذه الدراسات نتائجها تبين لنا بأن هؤلاء الأطفال الذين يتوجهون إلى المدرسة وهم
في حالة من "الخصاص" على مستوى ساعات و "جودة" النوم، يعرفون
صعوبات في الانتباه والتركيز والتعلم، ويكونون أكثر عرضة لمشاعر العياء والميل إلى
النعاس وقلة المشاركة والفاعلية داخل القسم مثلا ... الخ (1988,
Beugnet-Lambert ;1986, Soussignan). وهذا ما يدل على أن
"النوم" وظيفة حيوية على مستوى النشاط المعرفي وأليات التنظيم الذاتي
لدى الطفل في هذه المرحلة من نموه (2000, LA RECHERCHE).
وكما عاينا جميعا النوم، من خلال الشريط
العلمي الذي تم عرضه هذا الصباح، فإن الدراسات الميدانية والمخبرية التي شاهدناها،
تبين لنا بالملموس بأن الطفل البشري ومنذ ولادته يتمتع بنضج مبكر وبشخصية متميزة،
وبمؤهلات وكفاءات أكثر مما كان يتصور رواد علم نفس الطفل المعاصر أمثال فرويد
وبياجي وفالون وجيزل. وأصبحت بالتالي هذه الدراسات واكتشافاتها، تنير لنا الطريق
فيما ينبغي مراعاته واحترامه أو تحفيزه ومرافقته من مؤهلات وكفاءات وإيقاعات، سواء
على مستوى الحياة اليومية الأسرية أو التربوية أو الترفيهية ... إلخ ؛ وتدفعنا
بالتالي إلى إعادة النظر في "مكانة" الطفل مجتمعيا وثقافيا ومؤسساتيا
برئية وتمثلات أكثر تفائلا، وبمشروع تربوي أكثر تناغما وطموحا ووعيا وإنسانية. إن
النهج والتوجه المعرفي الذي يتبناه "مرصد الطفولة والمراهقة" و
"جمعية علم النفس والتنمية" في طرحهما ومعالجتهما للعديد من القضايا
الأسرية والتربوية و المجتمعية الشاغلة في هذه المجالات، لاتقوم على مجرد ارهاصات
أو معاينات ذاتية، أو من منطلق طروحات إيديولوجية معينة ؛ وإنما – وكما ترون معي –
هي وليدة نتائج ومستجدات دراسات وأبحاث علمية متخصصة، بل ومخبرية دقيقة كما شاهدنا
جميعا هذا الصباح ؛ والتي بينت لنا بأن "الطفل" منذ ولادته، بل والطفل
الجنين أيضا، يتوفر على "مصفاة معرفية" "Filtre cognitif" ذاتية تجعله
قادرا على معالجة واختيار وتنظيم المثيرات الدالة سيكولوجيا بالنسبة إليه؛ وبكونه
يتوفر ومنذ الولادة على نظام وإيقاع ذاتي للتواصل، والتفاعل مع الآخرين، وعلى
القدرة على "التنسيق" بين كفاءاته الحسية – الحركية والسمعية – البصرية
بمرجعية ذاتية متميزة ... إلخ.
2.3 الكفاءات
التواصلية لدى الطفل الرضيع وايقاعاتها.
1.2.3 – بعض مميزات وسمات إيقاع نظام التفاعلات
المابينية.
من بين أهم مستجدات المعرفة العلمية في هذا
المجال، برهنتها على وجود "نزعة تكوينية" ولادية لدى الطفل الرضيع
للتواصل مع أمه بكيفية متميزة ووسطه الاجتماعي بشكل عام، والتي تنتظم وتتناغم من
خلال التفاعلات والتبادلات الثنائية الحميمية. فقد تمكنت الدراسات والتحاليل
الدقيقة الإكلينيكية منها والمخبرية (Brazelton ; Montanger ; Stern...) بأن تبين لنا على أن التفاعل التواصلي للطفل الرضيع
مع أمه يبقى، ومنذ الأسابيع الأولى، قائما على "نظام" من التفاعلات
"الثنائية" المتبادلة والمتناغمة. بحيث يبين Brazelton مثلا (1982 ؛ 1991)،
عبر ملاحظات وتسجيلات منهجية دقيقة، كيف أن كلا من الطفل وأمه يغير كل منهما نشاطه
و "يناغم" ردود فعله ومبادراته حسب نشاط ومبادرات وردود فعل الآخر. وبأن
فترات هذا التبادل الثنائي تنتظم وفق دورات وإيقاعات "زمنية" دورية من
"التواصل المتبادل" و "التجنب الدوري"، والتي تتعاقب لديهما
بكيفية منتظمة و "متوقعة". وهو "الإيقاع التواصلي" الذي يسمح
للطفل وبكيفية سريعة من بلورة أسلوب تواصلي منتظم ومتناغم مع الأم، والعكس صحيح.
إن الدراسات الإكلينيكية والتجريبية في هذا
المجال، والتي شاهدنا البعض منها هذا الصباح، تبين لنا مثلا بأن إيقاعات
"الانتباه" و "السلوك الحركي" للطفل الرضيع في "حضور
أمه" تبقى ذات إيقاع دوري، تتوزع زمنيا بين سلوك الانتباه والتجنب، وبكون
استجابة وتجاوب الأم مع هذا الايقاع التواصلي للطفل يلعب دورا أساسيا على مستوى
جودة وتناغم التفاعلات من الناحية الوجدانية والمعرفية في هذه المرحلة وهذا السن
المبكر من عمر الطفل. في حين تبين دراسات وأبحاث Montagner مثلا (1993 ؛ 1994)
بأن الطفل وفي مرحلة مبكرة من عمره، أي ما بين الشهر الرابع والخامس، عندما يوجد
داخل أوضاع "تفاعلية" مع أطفال آخرين من نفس السن، اي مع الأقران، يعبر
إراديا عن "تعطش تواصلي" اتجاه أقرانه – حسب تعبير Montagner -، ويبرهن عن وجود
كفاءات تواصلية ذاتية متميزة خلال تبادلاته وتفاعلاته ومبادراته التواصلية مع
الأطفال الآخرين، وبكيفية لم نكن نتصورها من قبل !.
2.2.3 – الطفل الفاعل والوسط الملائم.
إن الطفل في الوقت الحاضر، وما راينا، لم يعد
ينظر إليه عند "الولادة" كنظام من ردود الفعل الانعكاسية، والقابل
للصياغة المجتمعية "كيفما نشاء". بل ‘ن الطفل وحسب Montagner (1993) يبقى بالأساس
"عنصرا فاعلا"، علينا "احترام" خصوصيته والعمل على إتاحة له
إمكانية التعبير عن كفاءاته مع مختلف شركائه: راشدين وأطفال. ولكي يتم ذلك يجب
العمل على إزالة الظروف والإكراهات التي تمنعه أحيانا من أن يمتلك
"الثقة" في إمكانياته وكفاءاته، ومن أن يشد "استقلاله الذاتي"
على مستوى السلوك والتفكير.
3.3- حقوق الطفل المغربي بين المقاربة السيكولوجية
والمقاربة القانونية.
1.3.3 – المقاربة السيكولوجية.
إن المقاربة السيكولوجية الحديثة في مجال
حقوق الطفل، تكمن – وكما لرأينا – في أنها سلطت الأضواء المعرفية، من خلال مرجعية
ونتائج البحث العلمي، على مؤهلات وكفاءات وفاعلية الطفل، وعلى خصوصيات سيرورة
نماءها؛ والتي تجعل منه كائنا "فاعلا" و "شريكا" ديناميكيا
داخل وسطه الأسري منذ الولادة. مفندة بالتالي مجموعة من الطروحات والتمثلات
الثقافية – الاجتماعية القائمة والراسخة عن الطفل مجتمعيا، والمركزة اساسا على
سمات وأليات "القصور" و "الخصاص" الحاصلة لدى الطفل الرضيع
كما تبدو لنا كراشدين، والتي دعمتها معرفيا ومؤسساتيا دراسات ومقاربات
"التنشئة الاجتماعية" بمفهومها التقليدي، أي المعياري – المؤسساتي.
والتي جعلت من "الطفل" سيكولوجيا كائنا "سلبيا" وحبيسا
لمجموعة من الصور والتمثلات المنمطة Stréotypées، المسايرة للمنظور
والمنظومة المجتمعية – الثقافية السائدة. وهي دراسات ومقاربات تفضل التفكير والبحث
في مجال "الطفولة" وفق معادلة ومرجعيات "إعادة الإنتاج"
للمنظومة الثقافية السائدة ومرتكزاتها وضوابطها الاجتماعية المعيارية وأساليبها
التربوية القائمة أساسا على "التهذيب" و "الترويض" الاجتماعي
للطفل. وهي المرجعية التي مازالت ثقافتها واسلوبها التربوي "السلطوي"
سائدة لحد الآن لدى الكثير من المؤسسات الأسرية والتربوية والاجتماعية بالمغرب.
2.3.3 – المقاربة القانونية ومحدودية تمثلاث "الطفل
القاصر".
إن الاهتمام بحقوق الطفل بالمغرب، مجتمعيا
ومؤسساتيا وسياسيا ومدنيا، والتركيز على احترام القواعد والقيم والشروط الملبية
لحاجياته وسيرورة نمائه وانصهاره الذاتي والاجتماعي، عادة ما يتم النظر إليها من
وجهة "قانونية" محضة؛ اي العمل على "حماية" الطفل عبر مفهوم
ومرجعية "الوصاية" باعتباره "كائنا قاصرا" . وهو منظور في
أسسه "ثقافي – مؤسساتي"، يستمد مصداقيته وإجرائيته من تمثلات ومواقف
"الطفل القاصر" مجتمعيا. لكن هذا المفهوم والمنظور رغم أهميته
"لحماية الطفل" من كل مكروه مؤسساتي أو مجتمعي، فهو مع ذلك يظل كلية موجها
ومكرسا لتمثلات ومواقف وممارسات "الحضانة" و "الوصاية"
الأحدية الدلالة والمعاملات، باعتبار الطفل "كائنا قاصرا" وليس باعتباره
كائنا "كفءا" و "فاعلا متميزا" بمؤهلاته وكفاءاته وإيقاعاته
منذ ولادته، والتي علينا أن نرعاها ونحفزها وأن نوفر لها الظروف والمناخ والوسط
المجتمعي الملائم، للتعبير عن ذاتها ولنمائها السليم ولانتظامها بفاعلية ومناعة
أكبر. وبالتالي العمل على أن "نقنن" و "نشرع" لها من هذا
المنظور الإيجابي، حماية لها من الإكراهات والاختلالات والاضطرابات التي قد
تعترضها مجتمعيا أثناء سيرورة نماءها.
إن النظر والتعامل مع "حقوق الطفل"
من خلال هذه المقاربة التي أدعو إليها، والمستندة على نتائج الدراسات العلمية حول
مؤهلات وكفاءات وفاعلية الطفل منذ ولادته، بل وقبل ولادته، في حالة العمل بها
فإنها ستجعلنا مجتمعيا وعلائقيا وسلوكيا نتعامل مع "شخصية" الطفل كشخصية
ذات مؤهلات وكفاءات متميزة، مؤهلة سيكولوجيا ومجتمعيا للنماء والانصهار والتنظيم
الذاتي، وبالتالي كشخصية "أهل ل..."، المالكة لأهلية "ذاتية"
متميزة عن "أهلية الراشد"، والتي ينبغي احترامها وتوفير الشروط والظروف
الملائمة لنمائها وانصهارها. وهو ما سيجعلنا ننظر ونتعامل مع "حقوق
الطفل" والطفولة بمقاربة وتمثلات إيجابية، انطلاقا من مرجعية الكفاءة
والفاعلية والتنظيم والاستقلال الذاتي والانصهار النفسي والمجتمعي كمشروع وسيرورة
؛ بدل التركيز كلية وأساسا على مرجعية "القصور" و "الخصاص".
3.3.3 – البيداغوجية الحديثة وحقوق الطفل السيكولوجية.
لقد كثر الحديث في المغرب خلال العشر سنوات
الأخيرة عن أهمية "البيداغوجية الحديثة" في مجال التربية والتعليم،
لتجاوز أماكن الضعف القائمة في هذا المجال. وتجنبا لبعض الخلط والتضارب الحاصل في
الأذهان على مستوى دلالة ومحتوى مفهوم "البيداغوجية الحديثة"، لابأس من
أن نشير إلى أن مفهوم – وضمن مرجعيات حقوق الطفل السيكولوجية – قد أصبح يعرف ويقاس
حاليا بمدى تلاءم وتناغم الإيقاع المؤسساتي وبرامجه وأنشطته التربوية – التعليمية،
مع الإيقاع التكويني الذاتي للطفل ومؤهلاته وكفاءاته وسيروراته وليس العكس. وهذا
ما نعانيه اليوم في العديد من الدول، استنادا إلى حصيلة نتائج الدراسات والأبحاث
العلمية، والتي وظفت البعض منها في هذا المجال.
ومن هذا المنظور، فإن احترام "حقوق
الطفل السيكولوجية" بالمغرب تعني في إحدى دعاماتها وأسسها، احترام إيقاعاته
التكوينية والنمائية ومؤهلاته وكفاءاته وحاجياته وفاعليته الذاتية وسيروراتها
النمائية ؛ وإيجاد المناخ الثقافي التربوي والمؤسساتي الملائم لنموها وانصهارها
وتوظيفها إيجابيا. وهذا الحفز والتفعيل والاشراف الإيجابي يفترض بدوره وجود
"معرفة علمية" متداولة مجتمعيا وأسريا وتعليميا، حول كيفية انتظام
واشتغال ونمو وتطور هذه الإيقاعات والمؤهلات والكفاءات والفاعلية الذاتية لدى
الطفل، وذلك للتخطيط والبرمجة والتدخل إيجابيا على هذا المستوى، والحد بالتاليمن
سلبيات الكثير من التمثلات والممارسات الثقافية والتربوية المؤسساتية. وهو ما
نفتقده لحد الآن داخل العديد من فضاءاتنا الأسرية والتعليمية والمدنية.
إن الطفل، ورغم هذه المؤهلات والكفاءات
والفاعلية التكوينية التي يأتي مزودا بها، في حالة ما تم التعامل معه مجتمعيا –
كما ذهب إلى ذلك رائد المدرسة السلوكية "واطسن Watson" – "كصفحة
بيضاء" يمكنه أن يتعلم كل شيء و "كيفما نشاء" ! ، فإن نتائج ثقافة "الترويض" و "التشريط"
الأسرية والتعليمية والمجتمعية بشكل عام، تبين لنا بأن "الطفل" فعلا –
وتحت ضغوطات وممارسات الترويض والتشريط – يبقى "قابلا" على أن
"يتشكل" مجتمعيا بالكيفية التي نريد. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هذا،
هو ما هو "الثمن" الذي يؤديه الطفل بفعل هذا "التشكيل" و
"القولبة" المجتمعية التنشئوية، التي تتم على حساب مكوناته ومؤهلاته
وكفاءاته وفاعليته "الذاتية" التي يولد مزودا بها، كما راينا ؟. خاصة
إذا علمنا بأن هذه المكونات السالفة الذكر لشخصية الطفل، تشكل الأسس التكوينية
والنمائية لما نسميه "بالسلوك الإرادي" وب "الشخصية الإرادية"
الفاعلة، المتميزة بالقدرة على التفكير والتحليل والتخطيط، وبالقدرة على الاختيار
واتخاذ القرار والمبادرة والمثابرة، وبالتنظيم والتدبير الإرادي لمجالاتها الحيوية
الفردية منها والجماعية، ولشأنها الخاص والعام ... إلخ.
من هذا ندرك مدى أهمية الاهتمام بأسس ودعامات
التربية الديمقراطية وحقوق الطفل السيكولوجية بالمغرب، باعتبارها "ورشا"
علميا ومجتمعيا واعدا لترسيخ وأجرأة على أرض الواقع أسس ودعامات مشروع مجتمعنا
الديمقراطي.
المراجع :
- كنزة المراني العلوي، (1986). الأسرة المغربية، التجديد
في النشر والتوزيع، الرباط، مطبعة المعارف.
- مبارك ربيع، (1991). مخاوف الأطفال وعلاقتها بالوسط
الاجتماعي، الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط، منشورات كلية الآداب
والعلوم الإنسانية بالرباط.
- مبارك ربيع وآخرون (تنسيق(، (1993). علم النفس
وقضايا المجتمع المعاصر، الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط، منشورات
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
- المصطفى حدية، (1991). الطفولة والشباب في المجتمع
المغربي، شركة بابل للطبع والنشر والتوزيع، الرباط.
- محمد مصطفى قباح، (1997). الطفل المغربي وأساليب
التنشئة الاجتماعية بين الحداثة والتقبيد، منشورات رمسيس، الرباط، دفاتير
التربية، سلسلة الطفولة، العدد3.
- محمد شقرون، (2000). الكتابة والسلطة ... والحداثة،
منشورات الزمن، الرباط، العدد14.
جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟


