مقالات وحوارات الأستاذ عبد الرحيم عمران
سيكولوجية الأسرة المغربية :
"الواقع، الدينامية و الآفاق"
س: أين
تنتظم الأسرة المغربية سيكولوجيا؟.
ج: سيكولوجيا
الأسرة المغربية ينبغي النظر إليها ومقاربتها في نظري، كمؤسسة وكروابط حميمية،
وكبنية تفاعلية وكرافد مجتمعي مرجعي لمشاعر المحبة والقرابة ولسلوكات التضامن والتماسك
والتضحية والتربية والرعاية وتحمل المسؤولية، أي كنظام نفسي – اجتماعي متميز
البنية والروابط و التفاعلات والسيرورة. هذه المحددات والأبعاد السيكولوجية للأسرة
المغربية تنتظم بدورها وبمواصفاتها السائدة، من خلال دينامية المجتمع المغربي
تاريخيا وثقافيا ومؤسساتيا وتواصليا وتعاقديا على مستوى الروابط والمشاعر والتفاعلات،
وعلى مستوى نوعية المشاريع والاختيارات وأساليب التعاقد والتدبير الجماعية والثنائية
عبر رابطة الزواج، وعلى مستوى آليات المودة والتجاذب والقرابة والتماسك والطمأنينة
والهوية المشتركة بين أفرادها؛ هذا دون أن نغفل من تحليلنا آليات الاختلاف وتباين
القناعات ودينامية التنافر والصراع والإختلالات الثنائية والجماعية والفردية.
ومن هنا أستحضر بطبيعة الحال سيكولوجية دينامية الجماعات
والأخص الجماعات المرجعية الحميمية، وأستحضر نوعية مشاعرها الودية وسيرورة روابطها
زمانيا ومكانيا، أولا بين الزوجين ثم بينهما وبين الأبناء، وكذلك أساليب التنظيم
والتدبير واتخاذ القرار القائمة داخلها. وهذا ما يجعلني أستحضر كذلك نوعية وجودة
علاقات أفرادها بحكم هويتهم المشتركة بيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا، وبالتالي
حميمية تفاعلاتهم داخل مجالهم الحيوي الأسري والجاذبية المتبادلة فيما بينهم؛ هذا
دون أن أغفل كذلك أو أتناسى سيكولوجية دينامية الاختلاف والصراع والتنافر والاختلالات
المتعددة المصدر.
فالأسرة المغربية
اليوم تتفاعل داخلها كل هذه النواظم والآليات والسيرورات السيكولوجية إيجابا
وسلبا، بأماكن ومواطن الاستقرار والتوازن والسعادة، وبأماكن ومواطن عدم الاستقرار
والتنافر والاختلال والمعاناة، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع
المغربي بنيويا ووظيفيا ومشاريعيا.
س: نعرف
أن المجتمع المغربي يعيش فترة تحول من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، هل
الفرد المغربي يشبع سيكولوجيا بمفهوم الأسرة النووية؟.
ج: إن هذا التحول البنيوي الذي تتحدث عنه على
مستوى نوعية منظومة الأسرة المغربية السائدة مجتمعيا، أي من الأسرة الممتدة إلى
الأسرة النووية، هو وليد سيرورة تحولات مجتمعية تاريخية، ثقافية، ترابي،
ديمغرافية، اقتصادية، عمرانية ... إلخ؛ تفاعلت فيما بينها وبإيقاعات سريعة لتفرز
لنا هذا التحول على مستوى حجم وبنية الأسرة المغربية أي أننا أمام تحول مجتمعي –
أسري المرتبط حتميا بدينامكية التغير المجتمعي وإنبناءاته الجديدة. وكل انتقال
وتحول من هذا النوع إلا ويحمل معه بالضرورة سيكولوجية مجتمعية أسرية متميزة على
مستوى نوعية المواقف والتمثلات والقناعات، وعلى مستوى المشاريع والاختيارات وأشكال
وأساليب التدبير والرعاية وتحمل المسؤولية المؤسساتية والجماعية والثنائية
الفردية، وبإيقاعات ومستويات متباينة بل ومتباعدة ومتقاطعة أحيانا.على اعتبار أن
كل دينامية مجتمعية تغييرية انتقالية هي بالضرورة دينامية مركبة ومعقدة، بمستويات
مختلفة ومتباينة من التغيير والرغبة والإرادة ومشاعر التحكم على مستوى القناعات
والمواقف والسلوكات والممارسات. فكما تعلم فإن التغيير والانتقال المجتمعي لا يكون
بالضرورة اختياريا ومرغوبا فيه ومخططا له إراديا ومتحكما في نواظمه وسيروراته
ونتائجه من طرف مختلف الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تعيشه وتندرج في سياق
ديناميته المجتمعية. كما أن كل مرحلة مجتمعية انتقالية إلا وتحمل وتفرز معها تناقضاتها
وصراعاتها واختلالاتها وأشكال مقاومة هذا التغيير ومن هنا فإن مفهوم الأسرة النووية
إذا كان يحيلنا تعريفا ووصفا إلى حجم الأسرة وبنيتها الأساسية، فإن هذه المواصفات لا
تعني بالضرورة تحولا بنيويا وشموليا على مستوى التمثلات والمواقف والقناعات
والسلوكات وأشكال التعاقدات والأدوار والمهام، التي انتظمت وسادت داخل بنية الأسرة
الممتدة، لدى الأفراد اللذين انتظمت اليوم روابطهم وعلاقاتهم الزوجية داخل بنية
الأسرة النووية. فالتشبع سيكولوجيا بنواظم وثقافة الأسرة النووية، يعني التشبع
الإرادي والمرغوب فيه والمخطط له والمتعاقد حوله بين فاعلين مرجعيين لهذا النموذج
الأسري، ألا وهما الرجل والمرأة بمرجعية ونواظم مشروع الحياة المشترك والمحبة
المتبادلة والتعاقد الإرادي والثقة والاحترام المتبادل والمسؤولية المتقاسمة،
وبمرجعية ثقافة الحوار والإنصات والتفاوض البيني والجماعي على مستوى تدبير الشأن
الأسري واتخاذ القرار وحل الخلافات. من هنا تدرك معي بأن الأسرة النووية لا يمكن
حصر تعريفها على مؤشرات مكوناتها الإحصائية وبنيتها السكنية – المنزلية. وبالتالي
فإن الإجابة عن سؤالك يقتضي منا أن نجيب أولا عن مدى تشبع الفرد المغربي سيكولوجيا
على مستوى المشروع والمواقف والقناعات والقيم والممارسات بهذه النواظم الفاعلة
وراء توازن واستقرار وسعادة الأسرة النووية؟؛ ومدى مستوى امتلاكه الفعلي لهذه
الثقافة والقيم والسلوكات والكفاءات؟. إن الإجابة الموضوعية في نظري تبقى غير
متجانسة، وتحتاج إلى الكثير من الدراسات والأبحاث العلمية الرصدية والتبعية، وهو
ما قررنا مواصلته والقيام به على مستوى جمعية علم النفس والتنمية وكذلك على مستوى
مرصد الطفولة والمراهقة والأسرة؛ لكننا إذا احتكمنا إلى مؤشرات ظواهر العنف الزوجي
والأسري بشكل عام، وإلى مؤشرات نسب الطلاق السنوية داخل الخمس سنوات الأولى من
الزواج على الصعيد الوطني، فإنني لا أجد إحراجا معرفيا لأقول لك بأن دينامية وسيرورة
هذا الانتقال من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية ومن خلال مؤشراتها السيكولوجية
السالفة الذكر كثقافة وكممارسة، ما زالت في مرحلة التعلم والاكتساب المجتمعي ولكن
بإيقاع وحتمية التأهيل المتسارع الوثيرة والمرغوب فيه وخاصة لدى الشباب.
س: ماذا
نقصد سيكولوجيا بالأسرة النووية ؟.
ج: أولا
وقبل أن أضيف بعض المؤشرات الدالة لما قلته عن مفهوم الأسرة النووية سيكولوجيا، لا
بد من استحضار التعريف السائد للأسرة النووية باعتبارها النموذج أو البنية الأسرية
التي تتكون من رجل وامرأة كزوجين و من أبائهما في ظل تعاقد مؤسساتي ثقافي حضاري
مرجعي، والمتميزة بنوعية روابطها الوجدانية الحميمية المتبادلة والمستمرة، وبنوعية
مهامها ومسؤولياتها المباشرة في تنظيم وتدبير الحياة الأسرية القائمة أساسا بين كل
من الزوج والزوجة والأبناء كمحور مرجعي، والمتميزة كذلك باستقلالها الذاتي المجالي
والاقتصادي والتدبيري الكلي أو الشبه الكلي. هذا ما يقصد غالبا بمفهوم و دلالة
الأسرة النووية، وهو تعريف وتحديد كما ترى معي تحتل فيه الروابط والمشاعر الحميمية
المتبادلة بين الزوج والزوجة، وبينهما وبين الأبناء، وتحمل المسؤولية المباشرة في تدبير
الشأن الأسري ومهام ورعاية وتنشئة الأبناء
والعمل على توفير شروط وظروف استقرار واستمرارية الأسرة وسعادة أفرادها، مكانة
محورية ونواظم أساسية لها.
وباستحضاري لأهمية هذه المقاربة والمحددات السيكولوجية،
ولتوفير جودة هذه العلاقات والروابط الزوجية والأسرية بشكل عام داخل الأسرة النووية
كوحدة دينامية متفاعلة ومتطورة داخل الزمان والمكان، تأتي في نظري أهمية ما أسميه
بنواظم سيكولوجية "مشروع الحياة المشترك" بين كل من الزوج والزوجة أولا
كمشروع الحلم الجميل، وكقدرة على الاستشراف والتخطيط والانجاز والتدبير المشترك
للحياة الأسرية المدعمة بروابط ومشاعر المحبة المتبادلة، وكذلك أهمية ثقافة الحوار
والإنصات والتفاوض الأسري كمؤهلات وكفاءات فردية وثنائية وجماعية وظيفية ومتداولة
أسريا، وكذلك أهمية مواقف وممارسات المسؤولية المتقاسمة بين الزوجين على مستوى
تدبير الشأن الأسري ورعاية الأبناء.
س: نلاحظ
أن المجتمع المغربي لا زال يوظف بعض المصطلحات من قبيل التضامن والتكافل الأسري.
هل هذا يعني أننا سيكولوجيا لا زلنا غير مؤهلين للعيش في إطار الاستقلالية الفردية
والزوجية؟.
ج: إن
سؤالك في نظري يحمل معه بعض القناعات والتمثلات المسبقة السائدة في المغرب حول علم
النفس بشكل عام وحول سيكولوجية المجتمع وسيكولوجية مؤسساته وثقافته وجماعاته وأفراده.
فالسيكولوجية أولا لا تعني الفردانية – النرجسية والأنانية أو الفردية المطلقة، وبالتالي
التمركز حول الذات الفردية منها أو الجماعية، بقدر ما تعني مجموع المشاعر والرغبات
والمؤهلات والكفاءات والمشاريع
والمواقف والتمثلات وأساليب واستراتيجيات التواصل والتفاعل، الناظمة لسلوكات الأفراد
والجماعات ولتوازناتهم ولفاعليتهم وعلاقاتهم الفردية والجماعية، ولأساليب انصهارهم
الشخصي واندماجهم المجتمعي؛ وبكون هذه النواظم السيكولوجية وانبناءاتها وسيروراتها
يمكنها أن تأخذ عدة مواصفات وسمات وخصائص متميزة فردية وجماعية، وأن تعبر عن نفسها
بعدة أساليب واستراتيجيات الفردية منها
والجماعية حسب المراحل العمرية والخصائص المجتمعية والثقافية والبيئية والمؤسساتية. كما أن الدراسات
السيكولوجية العلمية للعشرين سنة الأخيرة، تبين لنا بكل مصداقية معرفية بأن الفرد
الكائن البشري بشكل عام، يظل سيكولوجيا ومنذ ولادته كائنا وجدانيا تعلقيا، وكائنا
معرفيا استراتيجيا، وكائنا اجتماعيا تواصليا، وكائنا مشاريعيا تفاوضيا وتعاقديا،
فاعلا ومتفاعلا داخل محيطه الحيوي والمجتمعي بشكل عام.إن هذا التوضيح المعرفي –
العلمي يبقى في نظري ضروريا للإجابة على سؤالك المتعلق بنواظم وآليات التضامن والتكافل
الأسري وبإيجابيات الاستقلالية الفردية والزوجية؛ على اعتبار أن مثل هذه القضايا
المجتمعية والسيكولوجية الشاغلة تتطلب منا معرفيا وعلميا التمييز بين الثوابت
المرجعية لسلوكاتنا وعلاقاتنا وروابطنا وبين أشكال التمظهرات الثقافية والمؤسساتية
التي تأخذها هذه الثوابت المرجعية، تاريخيا وثقافيا ومؤسساتيا كما هو الشأن مثلا
بالنسبة لسيكولوجية التضامن والتكافل الأسري، ولسيكولوجية الاستقلالية والتنظيم والتدبير
الذاتي الفردية منها والثنائية والجماعية. فعلينا مثلا أن نستحضر بأن ثقافة وقيم وممارسات
التضامن والتكافل الأسري التقليدية، قد انتظمت وتأسست ضمن مرجعية الأسرة الممتدة،
والتي هي بالأساس تاريخيا وترابيا وثقافيا وسيكولوجيا أسرة عشائرية وقبلية البنية
والروابط، المتميزة بنواظم وعلاقات القرابة الدموية والمصاهرة الأثنية العشائرية
والسلالية، والمتميزة كذلك بسيادة قيم وسلوكات التآزر والتعاضد العضوي ودينامية
الجماعات المرجعية المتآزرة والمتضامنة، المحصنة بمشاعر الهوية الجماعية الأثنية وبقوة
الضبط والضغط الاجتماعي وبقيم الشرف والكرامة والعطاء ...الخ؛ المتجاوزة والمدبرة
والمقننة لمهام وأدوار ومشاريع الأفراد الأكثر شخصية وحميمية كمسألة الزواج وتربية
ورعاية الأطفال مثلا. وفي ظل هذه الروابط السيكو – ثقافية والسيكو مجتمعية انتظمت
وسادت مجتمعيا قيم ومواقف وممارسات التضامن والتكافل الأسري التقليدية بكيفية جعلت
الأفراد ذوي الخصاص المرحلي أو المزمن يتمتعون بنوع من الكفالة والتضامن العضوي
الجماعي. اليوم وفي ظل التحولات المجتمعية السريعة وتقلص وتلاشي العديد من نواظم
وضوابط وروابط المجتمع التقليدي ومؤسساته المرجعية من قبيلة وعشيرة وزاوية وأسرة
ممتدة ... إلخ؛ هذا المشكل من التكافل والتضامن المجتمعي والأسري التقليدي، تبين
لنا العديد من الدراسات الميدانية والظواهر المجتمعية المتعلقة بالفقر وبفئات
المسنين والمعوزين والنساء والأمهات الأرامل والأطفال اليتامى أو المتخلى عنهم، أو
ما أصبح يعرف بظاهرة أطفال الشوارع ...إلخ؛ تبين لنا بأنها فقدت الكثير من مناعتها
وممارساتها وقيمها ونواظمها. فأين يكمن الخلل اليوم؟ و ما العمل؟. في نظري إذا
أردنا امتلاك رؤية واضحة ومقاربة تحليلية لسيكولوجية أسس ونواظم ثقافة التضامن والتكافل
الأسري، علينا أن نستحضر أولا مكونات وأسس الرابطة والعلاقات الأسرية باعتبارها
الخلية والنواة الأساسية والرافد المرجعي مجتمعيا لمشاعر المحبة والتعلق لدى
الكائن البشري بشكل عام. وبغض النظر عن شاكلة البنية الأسرية وحجمها، ممتدة كانت
أو نووية، وبغض النظر عن خصائص ومكونات المحيط الاجتماعي والثقافي والاقتصادي،
فالأسرة سيكولوجيا ومن خلال آليات ومشاعر المحبة والتعلق، ونوعية حميمية مجالها
الحيوي، ونوعية تفاعلات وتبادلات أفرادها، ومشاعر الانتماء والهوية المتقاسمة
بينهم بيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا وثقافيا، تظل المرجعية والنواة الأساسية لقيم
ولمواقف وممارسات التضامن والتكافل المجتمعي. وهذا ما تبينه نتائج مختلف الدراسات
الحديثة حتى داخل المجتمعات الغربية الرأسمالية، حيث أن أفراد الأسرة والآباء بشكل
خاص يظلون الدعامة التآزرية والتضامنية
الأساسية لأبنائهم في حالات الخصاص والمعاناة المالية أو الشخصية أو المهنية. وهذا
بالنسبة لي كباحث معطى علمي أساسي، يجعلنا نقف على إحدى أهم الثوابت السيكولوجية
للتضامن والتكافل المجتمعي ألا وهي نوعية وخصوصية الروابط والعلاقات الأسرية القائمة
أساسا على مشاعر المحبة والتعلق المتبادل، وتجعلنا بالتالي ندرك بأنه وبدون مشاعر
المحبة المتبادلة والانتماء والهوية المشتركة، يبقى من الصعب علينا تفعيل وإغناء قيم
وثقافة وممارسات التضامن والتكافل المجتمعي، وبأنه علينا أن نبحث عن مصادر الخلل والاختلالات
الحاصلة اليوم في قيم وثقافة وممارسات التضامن والتكافل الأسري، على مستوى روافد
سيكولوجية المحبة والتعلق والتواصل والتفاعل والتنشئة والرعاية الأسرية والانتماء
والهوية المشتركة. على اعتبار أن التحولات المجتمعية السريعة أفقدت الأسرة الممتدة
العديد من دعامات وإطارات وقيم تضامنها وتكافلها الثقافي والجماعي العضوي، وبكون
انبناءاتها الجديدة لم تكسب بعد الأسرة النووية ما يكفي من أساس ودعامات سيكولوجية
وثقافة مشروع الحياة والتعاقد الاختياري الإرادي والثقة والاحترام المتبادل،
ومواقف وممارسات المسؤولية المتقاسمة في تدبير الشأن الأسري ورعاية وتربية
الأطفال، وثقافة وكفاءات الحوار والإنصات والتفاوض في تدبير حل الخلافات لضمان استقرارية
واستمرارية وسعادة أفرادها، بالكثير من استقلالية الزوجية والمسؤولية الإرادة
الفردية والثنائية. فبدون هذه الناظم السيكولوجية والكفاءة الزوجية والتأهيل
الأسري، يبقى من الصعب في نظري اليوم تفعيل وترسيخ قيم وممارسات التضامن والتكافل
الأسري، والتي بدونها سيكون من الصعب علينا مجتمعيا ضمان شروط وظروف التماسك
والتضامن والانسجام المجتمعي، والانصهار والطمأنينة والسعادة الفردية والجماعية.
كما ترى فأنا، كباحث جامعي متخصص، أستحضر هنا مقاربة ومعادلة
سيكو – اجتماعية يمكن التأكد من مدى مصداقيتها ميدانيا، والتي أذهب فيها إلى أنه
لا تضامن ولا تكافل أسري كقيم وكثقافة وممارسات سائدة في غياب
روافد ومشاعر المحبة المتبادلة بين الزوجين وبينهما وبين الأبناء، المحصنة بمرجعية
مشروع الحياة المشترك، وبقيم وسلوكات التضحية والعطاء والطمأنينة الأبوية، وبثقافة
الحوار والاتصالات والتفاوض، وبمواقف وممارسات تحمل المسؤولية الزوجية المتقاسمة
في تدبير الشأن الأسري ورعاية الأطفال بهدف ضمان استقرارية واستمرارية وسعادة
الأسرة وسعادة أفرادها. فهذه في نظري، وفي مقاربتي العلمية نواظم سيكولوجية أسرية أساسية،
في حالة توفرها كثقافة وقيم وممارسة سائدة داخل المجتمع المغربي ستشكل الرافد الأساسي
لمناعة وحصانة سلوكات وممارسة التضامن والتكافل الأسري، باعتبار أنني أذهب إلى أن
الأسرة مجتمعيا هي الرافد والمنبع المرجعي لما أسميه "بالوجدان
المجتمعي" ولمشاعر المحبة والمودة والإخاء والتعاضد والتساكن والرعاية والتضامن
والتماسك والتضحية والهوية المشتركة. لماذا؟، لكونها تشكل الفضاء الأولي والمرجعي
للحياة الحميمية العلائقية والتربوية والتنشئوية، الذي داخله نتقاسم حميميتنا
ومشاعرنا وطمأنينتنا وهويتنا وتوجداتنا ومشاريعنا بكل رغبة فردية وثنائية وجماعية،
وبكل مودة وسخاء وتضحية خارج منطق ومعادلة سيكولوجية المنفعة والربح والمردودية
الفردية. ومن خلال هذه المقاربة إذا سمحت سأستحضر معك معطى سيكو- وجودي وسيكو –
مجتمعي أساسي أذكره في عدة مناسبات علمية وتحسيسية وذلك من خلال التساؤل التالي:
من هم الأشخاص الذين نحبهم أكثر من أنفسنا و نبقى مستعدين لنضحي بأنفسنا تلقائيا
من أجل بقائهم؟. أظن أن الجواب الصادق: هم أولادنا. لماذا؟، لأنهم ولدوا منا ومن
صميم مشروع حياتنا، ولأنهم كذلك إستمرار لنا بعد رحيلنا على مستوى المشاعر والروابط
والهوية. بقي علينا الآن أن نتساءل: كيف وعبر أية تفاعلات وأساليب تربوية – أسرية
سنضمن اليوم وغدا لهذه الثوابت والنواظم السيكولوجية الأسرية تنتظم وتسود داخل
المجتمع المغربي على مستوى القناعات والمواقف والتمثلات والمشاريع والسلوكات ؟.
س: تذهب
إلى تعريف الأسرة النووية كأسرة المشروع. كيف يمكنك أن تحدد لنا سيكولوجيا مشروع
الأسرة النووية مقارنة مع الأسرة الممتدة؟.
ج: هناك
الكثير ما يمكن قوله حول هذا السؤال المتعلق بسيكولوجية وثقافة المشروع داخل
المجتمع المغربي بشكل عام وداخل الأسرة النووية بشكل خاص، مقارنة مع سيكولوجية
وثقافة الأسرة الممتدة. على اعتبار أن سيكولوجية المشروع كثافة وممارسة مجتمعية
ومؤسساتية وفردية، تحيلنا في نظري إلى أهم المؤشرات وسيرورات ونسقية التحول
المجتمعي الثقافي الايجابي داخل المجتمع المغربي، وكذلك بالنسبة لأهم مؤشرات
ديناميته وانباءاته المتجددة والواعدة على المدى المتوسط والبعيد. على اعتبار أن
سيكولوجية المشروع تحيلنا مجتمعيا وثقافيا ومؤسساتيا وفرديا، في آلياتها ونواظمها
الأساسية، إلى القدرة على التموقع والامتداد داخل المستقبل الواعد بمؤهلات وحوافز
وكفاءات القدرة على الاستشراف والتوقع، والقدرة علة الاختيار واتخاذ القرار،
والقدرة على التخطيط والبرمجة، والقدرة على التعاقد والانجاز داخل الزمان والمكان،
والقدرة على التقييم والمتابعة لمواصلة المسار ولتحيين وتجديد الأهداف والآفاق
والمنجزات بمثابرة وفاعلية دينامية متجددة. وهذا ما يموقعنا داخل سيكولوجية السلوك
الإرادي وسيكولوجية التنظيم والتدبير الذاتي المجتمعي منه والمؤسساتي والجماعي والفردي.
أما عن كون الأسرة النووية تبقى أساسا أسرة المشروع، فهذا ليس بالضرورة مكونا
سيكولوجيا واجتماعيا أوليا وتلقائيا لهذا النموذج الأسري السائد اليوم مجتمعيا، وإنما
هو مكونا سيكو - إجتماعيا أساسيا لتوازناتها واستقرارها ولرفاه حياتها وعلاقتها وسعادتها،
على اعتبار أنها أسرة الاختيار والتعاقد الإرادي بين الرجل والمرأة، القائم على
روابط المحبة المتبادلة وعلى روافد الحلم الجميل أولا، الموجه والمدعم بمواقف
وسلوكات الإستشراف والتموقع داخل دينامية المستقبل الواعد والحياة المتوازنة
والسعيدة، المفكر فيها والمخطط لها إراديا عبر آليات وبمنهجية الحوار والإنصات
المتبادل والتفاوض والتراضي الودي الحميمي بينهما، بهدف توفير ظروف سعادتها وسعادة
أفراد أسرتهما. ثم هناك معطى ومكون سيكولوجي بنيوي أساسي لمنظومة الأسرة النووية
المعاصرة، كوحدة دينامية متفاعلة ومتطورة داخل الزمان والمكان، وهو أنها تقوم وتنتظم
اليوم أساسا بواصفات دينامية "الفاعلين الحيميين"، لكل منهم شخصيته
المتميزة ورغباته وحاجياته وأدواره ومسؤولياته وأشكال فاعليته وتفاعلاته، والتي
ينبغي العمل على احترامه والعمل على تدبيرها بمرجعية الحياة الأسرية المشتركة،
وبمرجعية وقيم المساواة والكرامة والاحترام المتبادل والمسؤولية المتقاسمة والتضامن
والتضحية، وبمرجعية مهام رعاية الأطفال والسهل على نموهم السليم والمتوازن والعمل
على توفير شروط الحياة الأسرية المحفزة والمدعمة لفاعليتهم ولمبادراتهم وثقتهم بأنفسهم
ولانصهارهم الشخصي ولآليات التنظيم والتدبير الذاتي لديهم؛ وبالتالي رعايتهم ومرافقتهم
وجدانيا وعلائقيا ومعرفيا ومشاريعيا خلال سيرورة نمائهم ومراحل عمرهم من خلال هذه
التحديدات والمواصفات الدينامية، ترى معي بأن بنية ودينامية الأسرة النووية تبقى
دينامية مركبة تنتظم من خلال مرجعية ومعادلة الفاعلين الحميميين – الشركاء، ومن
خلال قيم وممارسات المساواة والمسؤولية المتقاسمة والاحترام المتبادل، المدعمة
بثقافة الحوار والتشاور والتفاوض في اتخاذ القرار، والسهر على رعاية الأطفال بما
يوفر لهم نموهم وتوازنهم السليم وانصهار شخصيتهم بمواصفات الفاعلية والمبادرة والتنظيم
والتدبير الذاتي والتفاعل الإيجابي مع محيطهم المجتمعي، باعتبارها مؤهلات وكفاءات
وميولات حاضرة لدى الأطفال منذ الولادة كما تبين ذلك أحدث الدراسات العلمية في
مجال علم النفس.
ومن خلال هذه المقاربة وتحليلاتها، ندرك جميعا نوعية
النواظم والدعامات الأساسية للأسرة النووية باعتبارها أسرة المشروع المشترك بين
الرجل والمرأة أولا كفاعلين إراديين مركزين وبينهما وبين الأطفال بحاجياتهم
النمائية ومميزات شخصيتهم؛ والتي تتفاعل جميعها وتنتظم وتتطور ضمن روابط وعلاقات وتفاعلات
الحياة الأسرية الحميمية؛ وهو ما يتطلب بالضرورة امتلاك وحضور ثقافة وكفاءات
التواصل الودي والحوار والإنصات المتبادل والتشاور والتفاوض في تدبير الشأن الأسري
واتخاذ القرارات.
وإذا نظرنا من حولنا وقمنا بتحليل دقيق لدينامية الأسرية
المجتمعية بالمغرب في إرتباطها الوثيق بدينامية المجتمع المتسارعة، فإننا سنلاحظ
بأن إنباءات الأسرة النووية المغربية تسير حتميا في هذا الاتجاه بإيقاعات ومستويات
متباينة ومتفاوتة، لكنها في إطار الإنبناء النسقي كمرجعية وثقافة وقيم وممارسات
ناظمة وسائدة مجتمعيا، في ارتباطها طبع بأسس ودعامات ونواظم مشروعنا المجتمعي
الديمقراطي. إذ علينا ألا ننسى هذه العلاقة الجدلية والترابط العلي بين سيكولوجية
نواظم وثقافة وممارسات الأسرة النووية كأسرة المشروع وأسرة التعاقد الاختياري
الإرادي والمسؤولية المتقاسمة بين الزوجين، وأسرة الرفاه الوجداني العلائقي
الحميمي والتضامن والتضحية، والتربية والرعاية المسؤولة الساهرة على شخصية الأطفال
وعلى نموهم السليم وعلى ثقتهم بأنفسهم وبمؤهلاتهم وبمنجزاتهم، المحصنة جميعها بقيم
ومواقف وسلوكات الحوار والإنصات والتشاور والتفاوض والتراضي في تدبير الشأن
الأسري، وبين مرجعيات وأسس ومقاصد مشروعنا المجتمعي الديمقراطي كقيم وثقافة وممارسات
مجتمعية راسخة ومتداولة مؤسساتيا واجتماعيا وفرديا، تنتظم بدورها بإيقاعات متفاوتة
ومتباينة الاكتساب والكفاءة والممارسة.
إذ علينا أن نستحضر كل هذا، لندرك بكيفية تحليلية واستشرافية،
كيف أن الأسرة المغربية النووية تبقى مهيأة وجدانيا وتعاقديا وعلائقيا وديناميا
وبنيويا لتنتظم مجتمعيا وثقافيا كأسرة المشروع بالمواصفات السالفة الذكر. كما أنه
علينا أن نستحضر بأننا نتواجد تاريخيا وترابيا وسكانيا وعمرانيا وتعليميا واقتصاديا
وإعلاميا ومعرفيا ومشاريعيا داخل مرحلة مجتمعية انتقالية، في اتجاه انبناءات
وانتظامات مؤسساتية وعلائقية وتعاقدية وذهنية وسلوكية جديدة ومغايرة لما عرفناه
على مستوى انباءات وتوازنات وضوابط ونواظم المجتمع التقليدي، الذي انتظمت داخله بنية
وروابط وعلاقات وأدوار ومعيارة وتوازنات الأسرة الممتدة، والتي أصبحت اليوم تعرف
العديد من الإختلالات وأشكال الهشاشة على مستوى بنيتها وعلاقاتها ومهامها وأدوارها
وقيمها ونسقية ممارساتها وتوازناتها، بحيث لم تعد قادرة على استيعاب وتدبير العديد
من مستجدات تطلعات ومشاريع وصراعات فاعليها، ومستجدات قيمهم وقناعاتهم واختياراتهم
وحاجياتهم وسلوكاتهم ومهامهم وأدوارهم وحقوقهم. وهنا علينا أن نستحضر سيكولوجية
الأسرة، وكما ذكرت سابقا انتظمت تاريخيا روابطها وعلاقاتها ونوعية تدبيرها على مستوى
الأدوار والمهام والمسؤوليات، وعلى مستوى المرافق والقناعات والقيم، وعلى مستوى
أساليب الرعاية والتنشئة الاجتماعية للأبناء من خلال نواظم بنية الروابط القبيلة والعشائرية
وأشكال ضوابطها وقيمها المجتمعية التي تتجاوز علاقة ومشاعر وإرادة الزوجين بالكثير
من الوصاية والتأطير والتقنين المعياري الجماعي وبحكم هذه المرجعية القبلية
والعشائرية التاريخية والترابية، فإن الأسرة المغربية الممتدة تبقى بالأساس أسرة
بطريكالية الثقافة والسيكولوجية على مستوى القيم والروابط والتفاعلات، وعلى مستوى
مرجعية اتخاذ القرار وتدبير الشأن الأسري. وبالتالي أسرة ذكورية السيادة والعقلية
والتدبير، وسلطوية وأحادية القرار والمسؤولية، المكرسة لآليات وممارسات وقيم الضبط
الاجتماعي الحاد ولقيم وسلوكات الدونية والامتثال والخضوع من طرف المرأة والأبناء،
لقرارات وسلطوية الأب المطلقة ولوصاية العائلة ولجماعاتها المرجعية الضاغطة
والضابطة. وكما تعلم فإن هذه السيكولوجية البطريكالية كرست معها العديد من سمات ومواقف
وممارسات المفارقة والمفاضلة والحيف وعدم المساواة بين الأطفال الذكور والأطفال
الإناث، وبين الرجل والمرأة، وغيبت ثقافة وممارسة مشروع الحياة المشترك بين
الزوجين وتعاقده الاختياري الإرادي، والمسؤولية الزوجية المتقاسمة بينهما في تدبير
الشأن الأسري و في رعاية الأطفال، كما غيبت مكانة وشخصية الطفل كفاعل وشريك أسري
متميز، وسيكولوجيته الإرادية وآليات تنظيمه ومشروعه الذاتي وانصهاره وسعادته؛
وغيبت كذلك ثقافة الحوار والتشاور والإنصات وكفاءات تدبير الخلاف والتفاوض الودي
كعقلية وكسلوكات زوجية وأسرية تداولية. مما جعلها اليوم غير قادرة على مسايرة واستيعاب
أهم مستجدات وإيقاعات دينامية التغيير المجتمعي ومشاريع وتطلعات ومبادرات أفرادها؛
وجعلها كذلك تتموقع في مفارقة دالة على مقاصد ورهانات مشروعنا المجتمعي
الديمقراطي، ومع أسس ونواظم الأسرة المتوازنة والسعيدة والمستقرة داخل مجتمع منفتح
ومتعددة الروافد، منظورا إليه ومخطط له كمجتمع المشروع والتعاقد الإرادي والتدبير
العقلاني والمسؤولية المتقاسمة، ومجتمع المواطنة والمساواة والعدالة والإنصاف
والكرامة والتضامن والحقوق والواجبات، والذي تحتل فيه الأسرة مكانة متميزة وناظمة
لتوازناته الكبرى ولاستقراره ولرفاهه المجتمعي.
س: هل
يمكن القول أن عزوف الشباب عن الزواج بغض النظر عن الإكراهات الاقتصادية له دوافع
سيكولوجية أخرى من قبيل الوصاية والتدخل في الحياة الشخصية للأبناء من طرف الآباء،
وأحيانا حتى اختيار شريك الحياة ؟.
ج: أولا مسألة عزوف الشباب عن الزواج كظاهرة
سيكو – اجتماعية بالمغرب فيها كثير ما يقال على مستوى التحليل. فهناك أولا مسألة
الانطباع التمثلي للرأي العام السائد، والذي يذهب على أن الشباب المغربي اليوم
يعزف عن الزواج مقارنة مع كان معروفا وسائدا من قبل. وعلى هذا المستوى ينبغي
مقاربة هذا الانطباع السائد من خلال دينامية التحولات والتطورات التي عرفها
المجتمع المغربي تعليميا وتأهيليا وديمغرافيا وصحيا واقتصاديا ومهنيا وإعلاميا
ومشاريعيا وترابيا، وعلى مستوى الذهنيات والعقليات والحقوق والواجبات. بحيث نلاحظ إحصائيا
أن معدل سن الزواج على الصعيد الوطني بالنسبة للذكور أصبح اليوم هو 30 سنة
وبالنسبة للإناث هو 27 سنة، وأصبحت طموحات ومشاريع الشباب ذكورا وإناثا على
المستوى الدراسي والمهني والاستقلال الذاتي، كلها تتدخل لتجعل من مشروع الزواج
مشروعا مفكرا فيه ومخططا له ومندرج ضمن مشروع الحياة العام. وهذه ليست مؤشرات عزوف
بقدر ما هي مؤشرات للتأهيل والاستشراف والتخطيط والبرمجة الموضوعية والمرغوب فيها
قبل ولوج الحياة الزوجية والأسرية. ثم هناك فعلا مواقف العزوف عن الزواج الذي
تحدثت عنه، والتي هي واردة ومنتظرة الحدوث في ظل ما سبق أن ذكرته لك من وجود
مفارقة دالة بين سيكولوجية ونواظم الأسرة الممتدة البطريكالية الثقافية والعقلية
والضوابط والممارسات، والتي في كنفها مباشرة أو في ظل ثقافتها وقيمها وقناعاتها وممارساتها
المجتمعية نشأ العديد من الشباب المغربي حتى الآن، وبين تحولات ومستجدات الواقع المجتمعي
وإنبناءاته المتجددة ومتطلبات الأسرة العصرية المتوازنة والمستقرة السعيدة. على اعتبار
أن سيكولوجية الأسرة البطريكالية تبقى بالأساس سيكولوجية الوصاية والضبط والتدخل
المباشر في الحياة الزوجية للأبناء، وسيكولوجية العلاقات والروابط الزوجية
الأحادية السلطة والقرار والتدبير، القائمة على قيم وسلوكات الخضوع والطاعة والامتثال،
والمتميزة كذلك بغياب ثقافة وكفاءات وممارسات التواصل المفتوح والحوار والتفاوض
الودي بين الزوج والزوجة وبينهما وبين الأطفال. في حين أنما أصبح أغلبية الشباب
المغربي اليوم هو الانفلات والتحرر ايجابيا من عقلية وضوابط وممارسات هذه
السيكولوجية البطريكالية السلطوية القيم والعلاقات وأساليب التدبير، المتنكرة
والرافضة غالبا لمشاريعهم ورغباتهم واختياراتهم الشخصية الإرادية ولمشروع حياتهم
المفضل؛ خاصة وأنها فقدت الكثير من نجاعتها ومناعتها ومصداقيتها المجتمعية
والثقافية والسيكولوجية، داخل مجتمع سريع التحولات ومتجدد المشاريع والتعاقدات
والروابط والعلاقات والعقليات والسلوكات، والتي جعلتها غير قادرة على الحفاظ على
توازناتها الأساسية وعلى تدبير مستجدات الروابط والعلاقات الزوجية والأسرية وتصريف
اختلالاتها وصراعاتها داخل مجتمع أكثر فأكثر انفتاحا وتعقيدا، وداخل مرحلة مجتمعية
انتقالية المتميزة لحد الآن بهامش كبير من ملامح إنعدام، أو عدم، اليقين، والتي لم
تنتظم داخلها بعد وبكيفية متحكم فيها على المستوى الفردي والجماعي والمؤسساتي
مواقف وقناعات وممارسات مشروع الحياة المشترك، والتعاقد الاختياري الإرادي القائم
على أسس سيكولوجية المحبة والثقة المتبادلة بين الرجل والمرأة، والمتشبع بقيم وممارسات
المساواة والمسؤولية المتقاسمة في تدبير الشأن الأسري ورعاية الأطفال، وبقيم
وممارسات التواصل والحوار والإنصات والتشاور والتفاوض في تدبير وتصريف أوجه النظر
المختلفة أو المتباينة وأوضاع الخلاف والصراع البيني الزوجي أو الأسري بشكل عام،
وبقيم التضحية والعطاء والهوية الحميمية المشتركة، بهدف توفير شروط توازن الأسرة
واستقرارها واستمرارها وسعادتها.
ففي ظل هذه الدينامية العامة المركبة والمتباعدة
المرجعيات والقيم والمقاصد، بين نواظم سيكولوجية الأسرة النووية السائدة اليوم، والتي
ما زالت تبحث مجتمعيا وعلائقيا عن أهم نواظمها ودعامات تعاقدها واستقرارها وسعادتها؛
بين هذا وذاك فإنه يبقى من المتوقع جدا وجود نوع من الحيرة والتردد وانعدام اليقين
لدى العديد من الشباب ذكورا وإناثا، يعبر عن نفسه مجتمعيا من خلال مواقف وسلوكات
العزوف عن الزواج. لكن وفي ظل ما قلته لك لحد الآن، فهذه ملامح وسمات منتظرة
لمرحلة انتقالية في اتجاه امتلاك ما أسميه بنواظم الأسرة الديمقراطية على مستوى
القيم والتمثلات والمواقف والقناعات والتعاقدات والممارسات. ويبقى الأهم في نظري
اليوم ولتدبير وتصريف والحد من مواقف العزوف عن الزواج، هو استحضار سياسة مجتمعية
أسرية واضحة الرئية والأهداف والمقاصد، وإستراتيجية إعلامية- تحسيسية في اتجاه
مجتمع الشباب بشكل خاص والمجتمع المغربي بشكل عام، تمكنه من استيعاب دينامية
التحولات المجتمعية الحاصلة اليوم بالمغرب، ومن امتلاك ما يمكن أن نصطلح على
تسميته بنواظم الأسرة الديمقراطية، باعتبارها أسرة المحبة المتبادلة ومشروع الحياة
المشترك، وأسرة الاختيار والتعاقد الإرادي بين الرجل والمرأة، والمسؤولية
المتقاسمة بينهما على مستوى تدبير الشأن الأسري ورعاية الأطفال، وأسرة ثقافة
التواصل والحوار والإنصات المتبادل والتشاور والتفاوض الودي، وأسرة ثقافة التضامن
والتضحية والهوية المشتركة؛ باعتبارها تبقى في نظري أهم نواظم الاستقرار
والاستمرارية والسعادة الأسرية. فلا أسرة سعيدة اليوم وغدا بدون رافد المحبة
المتبادلة، وبدون ثقافة وسيكولوجية مشروع الحياة المشترك والاختيار والتعاقد
الإرادي وثقافة سيكولوجية المسؤولية المتقاسمة في تدبير الشأن الأسري ورعاية
الأطفال، وثقافة وسيكولوجية التواصل والحوار والإنصات والتشاور والتفاوض، وثقافة
وسيكولوجية التضامن والتضحية والهوية المشتركة. هذه هي مقاربتي وطموحاتي
واجتهاداتي كسيكولوجي وكباحث نفسي – اجتماعي حول نواظم وسيرورة توازن واستقرار
وسعادة الأسر المغربية سيكولوجيا.
س: من
خلال ما ذكرته وكباحث سيكولوجي، ما هي الأسرة النموذجية في نظرك والتي يمكن أن
تتوافق وطموحات شباب القرن الواحد والعشرين ؟.
ج: إنني
لن أبتعد في إجابتي عن ما قلته لك لحد الآن في هذا الاستجواب المطول. ولكن لا بد
من بعض التوضيحات الأساسية، وهو أنني كسيكولوجي وكباحث جامعي متخصص في مقارباتي
وتحليلاتي وطروحاتي واجتهاداتي أحتكم إلى مجموع من المعارف العلمية التي انتظمت
لدينا اليوم حول أهم نواظم الروابط والعلاقات الإنسانية في مجال الطفولة والمراهقة
والشباب؛ وفي مجال سيكولوجية التنظيمات وعلوم التدبير، وأساليب واستراتيجيات
التفاوض وحل الخلافات والصراعات؛ وفي مجال دينامية الجماعات ودينامية الفاعلين
الحميميين الشركاء؛ وفي مجال التضامن والتآزر والتماسك والهوية الجماعية والفردية
؛ والتي نجدها جميعها حاضرة كمكونات أساسية للحياة الزوجية والأسرية. على اعتبار
أن الكائن البشري ومنذ ولادته، وكما قلت لك سابقا، يظل في مكوناته الأساسية كائنا
وجداني النزعة والتعلق، وكائنا معرفي المعالجة والفهم، وكائنا اجتماعي تواصلي
التفاعلات والعلاقات، وكائنا مشارعي تفاوضي وتعاقدي واستشرافي المواقف والسلوكيات.
كما أنني أستحضر أهم تحولات المجتمع المغربي المؤسساتية منها والترابية والتعليمية
والثقافية والإعلامية والبشرية والاقتصادية والمدنية وتعاقداته السياسية ورهانات
تنميته الشاملة. فأستحضر بالتالي ما هو غائب ومفتقد لحد الآن في حلقة آليات ونواظم
دينامية التوازنات الأساسية للأسرة المغربية، كمؤسسة مرجعية وكجماعية دينامية
متفاعلة ومتطورة داخل الزمان والمكان، بفاعليها الأساسيين الحاليين من زوج وزوجة
وأبناء، لكل منهم شخصيته وانتظاراته ونوعية فاعليته وتفاعلاته الحاضرة جميعها داخل
دينامية الأسرة ومشروع حياتها المشترك، بمرجعية المحبة المتبادلة والسعادة
المتقاسمة. كما أستحضر كذلك أهمية المؤسسة الأسرية مجتمعيا كرافد أساسي للوجدان
المجتمعي ولمشاعر الانصهار الشخصي والجماعي، ولمشاعر الهوية المشتركة ولجودة
العلاقات المجتمعية. كما أستحضر طروحات وآليات المؤسسات اللا- اقتصادوية an-économucus، أي مؤسسات التشارك
والتقاسم والتضامن والعطاء خارج منطق المصلحة والمنفعة ومنطق الربح وقيم السوق
ومضارباته وصفقاته. كما استحضر أهمية ثقافة مشروع الحياة والمشروع المشترك، وما
يصاحبها من أشكال التعاقد الإرادي الاختياري، كنواظم أساسية لوضوح الرؤية وتحمل
المسؤولية المتقاسمة. كما أستحضر معادلة التوازنات والاستقرار المجتمعي في علاقتها
الجدلية بدينامية التغير المجتمعي، باختلالاته الواردة وبانبناءاته وتوازناته
المتجددة، كسيرورة تاريخية مجتمعية وسيكولوجية. وفي ظل هذه المقاربة السيكو –
مجتمعية تنتظم لدى مجموعة من المعارف ومن الطروحات والفرضيات والتوقعات العلمية،
ومن المعطيات الميدانية تجعلني أراهن علميا ومجتمعيا على محددات وميكانيزمات
وسيرورة انبائية جديدة للأسرة المغربية بتوازنات أفضل واستقرار وسعادة أكبر.
من هنا علينا أولا أن نستحضر بأننا أمام مؤسسة متميزة في
نوعية بنيتها وروابطها ومقاصدها، ومتميزة بالتالي في دينامية علاقاتها وتفاعلاتها
وتبادلاتها الحميمية ؛ وبأنه لايمكنها تنتظم وتستقر وتستمر من خلال آليات الصراع
والمواجهة والحيطة والحذر المتبادل، ومنطق المنفعة والمصلحة والسلطة والبقاء
للأقوى. كما أنه علينا مجتمعيا أن نستحضر دينامية التحولات المجتمعية ومحدداتها وإيقاعاتها
ومواصفاتها السالفة الذكر ومستجداتها المقبلة ؛ والتي أصبحت جميعها تتطلب منا
استحضار مشروع أسري مرجعي مغاير لمرجعية الأسرة البطريكالية ولنوعية روابطها
وعلاقاتها وأسلوب تدبيرها وتنشئتها الاجتماعية؛ مرجعية أسرية مغايرة القائمة، في
نظر، على ثقافة ونواظم مشروع الحياة المشترك المتعاقد عليه إراديا وباختيار متبادل
بين الرجل والمرأة المتشبعين بقيم وممارسات المساواة والاحترام والمسؤولية
والرعاية المتقاسمة للشأن الأسري، والمدعمة بثقافة وممارسات التواصل والحوار
والإنصات والتشاور والتفاوض في اتخاذ القرار وفي تدبير وتصريف الخلافات وتباين
أوجه النظر.
فتحليلاتي واجتهاداتي السيكو – اجتماعية حول الأسرة
المغربية، وكما ترى تنطلق وتستحضر مجموعة
من المحددات والآليات والنواظم السيكولوجية، من أهمها: هو أن كل مشروع وعلاقة زواج
سيكولوجيا، هي بالأساس مشروع الحياة المشترك وعلاقة محبة وارتباط ومعاشرة حميمية
وثقة متبادلة. و بأن كل مشروع حياة مشترك لا بد له من حلم جميل ورؤية شمولية ومن
هدف أسمى، ومن تعاقد إرادي اختياري بين الرجل والمرأة، ومن مواقف وممارسات
المساواة والاحترام وتحمل المسؤولية المتقاسمة، ومن ثقافة و كفاءات التواصل الودي
والحوار والإنصات والتشاور والتفاوض الحميمي، المدعمة جميعها بمشاعر الانتماء
والهوية المشتركة، والتي كما نعلم تنعكس ايجابيا، وجدانيا وعلائقيا وتربويا، على
نفسية الأطفال وشخصيتهم ونموهم السليم والمتوازن، كفاعلين وشركاء وجدانيين أساسيين
داخل المنظومة الأسرية بشخصيتهم وجاذبيتهم المتميزة. كما أنني في تحليلاتي
واجتهاداتي هذه، أستحضر كذلك مجموعة من الحقائق والمعطيات التاريخية والسوسيو-
ثقافية للمجتمع المغربي ولمنظومته الأسرية، على اعتبار أننا عندما نعود إلى
الدراسات والأبحاث حول الأسرة المغربية رغم قلتها، فإننا نجد أن هذه النواظم
والآليان النفسية الأساسية لإستقرار وسعادة الأسرة المتوازنة، تظل غائبة داخل
نسقية وتعاقدات وتفاعلات أغلبية الأسر المغربية لحد الآن. وهو ما يقتضي بالضرورة
تغييرا دالا، بل وجذريا في العقليات والقناعات والممارسات السائدة، للإنتقال من
نواظم الأسرة البطريكالية السلطوية العقلية والثقافة والممارسة إلى ما أسميه
بنواظم الأسرة الديمقراطية العقلية والثقافية والممارسة. ولتوفير شروط وظروف هذا الانتقال
الإيجابي، علينا أن نستحضر ومن خلال ما سبق ذكره، بأن توازن وتماسك وسعادة الأسرة
المغربية مستقبلا قبل أن تكون مسألة مساطير وقوانين جنائية وأحكام قضائية، ومسألة
تعاقدات الاحتراس والحيطة والحذر من طرف أحد الزوجين أو من كليهما المدونة داخل
عقد الزواج أو خارجه، هي بالأساس مسألة مشروع الحياة المشترك بينهما، المحصنة
بمشاعر المحبة والمودة والتقدير والثقة المتبادلة، وبهدف أسمى والمتمثل في سعادة
الزوجين في البداية والعمل على إسعاد كل أعضاء الأسرة مدى الحياة، وهو مالا توفره
حميميا وعلائقيا وزمنيا نوعية القوانين التشريعية والمساطير الجنائية الوقائية أو
الزجرية، رغم أهميتها المجتمعية والمؤسساتية. ومن هنا في نظري أهمية استحضار نوعية
وأولوية النواظم السيكولوجية السالفة الذكر للرابطة وللحياة الزوجية والأسرة.
وباستحضاري لمكونات و هوية الشباب المغربي السيكولوجية الواعدة،
داخل دينامية مجتمعية متجددة ومغايرة، أي ككائنات المشروع والحلم الجميل
والاستشراف والامتداد الواعد داخل المستقبل، وككائنات الشخصية الإرادية والثقة
بالنفس المتميزة بقدرتها على الإختيار واتخاذ القرار والتنظيم والتدبير الذاتي،
والتعاقد الإرادي وتحمل المسؤولية، وبامتلاكها الفعلي لكفاءات ولثقافة التواصل
المفتوح والحوار والإنصات، وكفاءة تدبير الاختلاف وحل المشكلات بتبصر وعقلانية
واستراتيجية ناجعة عبر منهجية التفاوض الودي والتراضي والتعاقد الحميمي، والمتشبعة
بثقافة وقيم المساواة وتكافؤ الفرص والمسؤولية المتقاسمة، عندما أستحضر كل هذه
الأبعاد والأسس والمواصفات السيكولوجية للشباب المغربي ذكورا وإناثا طبعا، فإن
الأسرة النموذجية التي تبقى في نظري أكثر ملائمة و تناغما مع طموحات وتطلعات
ورغبات شباب القرن الواحد والعشرين، هي الأسرة القائمة أساسا على مرجعية ونواظم ودينامية
مشروع الحياة المشترك عبر تعاقد واختار إرادي ومسؤول بين الرجل والمرأة، القائم
والمحصن بمشاعر ورابطة المحبة والثقة المتبادلة، وبثقافة وممارسات المسؤولية في
تدبير الشأن الأسري، بعيدا عن منطق وقيم الربح والخسارة المادية والصفقات
المقاولاتية، وعن إستراتيجية ومواقف الحيطة والحذر، والمحصنة كذلك بحضور وامتلاك
ثقافة و كفاءات التواصل والإنصات والحوار والتشاور والتفاوض ؛ والتي جميعها تنتظم
وتتفاعل ايجابا لتوفير شروط ودعامات وآليات الاستقرار والتوازن والسعادة الأسرية،
كهدف أسمى مرغوب فيه ومفكر فيه ومخطط له ومتعاقد عليه باختيار وإرادة ؛ بالنسبة
لمؤسسة مجتمعية أساسية ومتميزة، لا محيد عنها ولا بديل عنها حاضرا ومستقبلا مهما
قيل. هذه في نظري أهم مرجعيات ومواصفات الأسرة النموذجية للشباب المغربي على المدى
المتوسط والبعيد، والتي كما ترى معي تستند وتحتكم وتقوم تصورا وهندسة وانبناءا على
أسس وآليات ونواظم محددة وإجرائية، يمكن موضوعيا التأكد من مدى نجاعتها ومناعتها
على أرضية الواقع المجتمعي والأسري، وطنيا وجهويا ومحليا. وفي حالة التأكد من
نجاعة وأهمية هذا النموذج المرجعي عبر دراسات وأبحاث علمية ميدانية، يمكن بلورة
إستراتيجية للتدخل المجتمعي الحكومة منه والمدني للإسراع بوثيرة ترسيخها كثقافة
وممارسات مجتمعية، باعتبارها الأقدر على توفير شروط وآليات الاستقرار والسعادة
الأسرية، داخل مجتمع ينشد الديمقراطية والمساواة وتكافؤ الفرص والكرامة والمواطنة
والتضامن، والنهوض بأوضاع الطفل والمرأة والأسرة، والحد من معضلات الفقر المادي
والوجدان والعلائق، والخروج من التخلف والابتعاد عن مصادر ومخاطر التعصب
والانحلال، ويعمل على تفعيل قيم المحبة والتضحية والتضامن والكرامة والاعتزاز
بالانتماء والهوية المشتركة.
26- 09 - 2004
هل أعجبك الموضوع ؟


