الشباب وسيكولوجية المخدرات – الأستاذ عبد الرحيم عمران

الشباب وسيكولوجية المخدرات

.                                                                                                                     .
مقالات وحوارات الأستاذ عبد الرحيم عمران


س:   بطالة الشباب ومخلفاتها النفسية ومعاناتها كما رأينا؛ قوارب الموت أو الحريك بمعنى إحراق للهوية وللحلم الجميل وغياب الأفق الواعد على أرض الوطن، كما جاء في قولكم؛ هذه الأوضاع وسيكولوجيتها تدفع بالعديد من الشباب إلى تناول المخدرات كقطيعة مع هذا الواقع وكفشل في إيجاد الحلول الإيجابية. سيكولوجيا ماهي الانعكاسات السلبية لتعاطي المخدرات لدى الشباب؟.


ج:   عندما نكون أمام مثل هذه الظواهر، باعتبارها ظواهر المعاناة ونفي للهوية وانسداد الأفق، والمحاصرة والاختناق السيكولوجي؛ فبطبيعة الحال الإنسان ككائن سيكولوجي ينفر من المعاناة وخاصة الحادة والمستمرة داخل الزمن، ويبحث له عن مخرج وعن دعائم وأسندة كفيلة للتخفيف من معاناته أو وضع حد لها. وهذه نزعة وسلوك تلقائي لدى الكائن البشري داخل أوضاع المعاناة والألم والمحاصرة السيكولوجية. ومن هنا كذلك إقباله على تناول المخدرات كاستراتيجية واردة للانفلات من حدة وثقل معاناته.

فكما نعلم علميا وإكلينيكيا، فإن حدة الإحباط ومشاعر الفشل والمعاناة تبقى من أهم الأسباب السيكولوجية الفاعلة وراء الإقبال على تعاطي المخدرات بشكل عام.
وهذا يعني بأن المجتمع المغربي، ومن خلال مثل هذه الظواهر والأوضاع التي تحدثنا عنها، وبمواصفاتها السلبية التي ذكرناها ومخلفاتها النفسية، أصبح ينتج سيكولوجيا ظروف الإقبال على تعاطي المخدرات لدى كثير من الشباب. على اعتبار أن من وظائف المخدرات سيكولوجيا هو التخفيف أو الإلغاء الظرفي أو المرحلي لمشاعر الألم والإحباط وتعويضها بحالة نفسية اصطناعية مريحة، والتي سرعان ما تغيب بغياب فاعلية المخدر ليعود القلق والألم والإحباط والمعاناة من جديد، لتخلق الرغبة الجامحة من جديد لتناول المخدر، وليندرج الشباب المتعاطي لها في دوامة التعود والإدمان.

وبالعودة من جديد إلى أسس ودعامات سيكولوجية الشباب، كشباب المشروع والرغبة في إثبات الذات والفاعلية والمبادرة والإبداع والتجديد، والنزعة التلقائية للخروج عن المألوف والروتين وإلى الترفيه عن الذات، ندرك جميعا بأن الشباب المغربي يبقى في حاجة إلى فضاءات مشروع الحياة وإثبات الذات والترويح عن النفس والمبادرة والإبداع والابتكار، والخروج عن الروتيني والمألوف. فشخصية وسيكولوجية الشباب هي بالأساس شخصية سيكولوجية الانشراح ومشاعر المتعة المتقاسمة والمشاركة الفعالة. فالشباب سيكولوجيا وثقافيا بل وبيولوجيا هو كائن مشاريعي، كائن الحلم الجميل والرومانسية الإنسانية، وكائن قيم المحبة والتواصل والتضامن والمواطنة. لكن عندما نحاصره بمعضلات البطالة والفقر والمفارقات الاجتماعية والاقتصادية والترابية، وبالرسوب والهدر المدرسي وبغياب قيم وممارسات تكافؤ الفرص وبمشاعر عدم الإنصاف والتهميش والسكن غير اللائق، وبغياب فضاءات الترفيه والإبداع والتجديد، وبغياب إمكانيات المشاركة الفعلية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية كذلك؛ فإننا نولد لديه رغبة ونزعة قوية للبحث عن بدائل الخروج عن المألوف وعن مشاعر الروتين وانسداد الأفق و"البطالة السيكولوجية" السائدة، مما يحفز ويشجع مجموعة من الشباب على تعاطي المخدرات.

لكننا وفي ظل هذه المقاربة والتحليل السيكولوجي لظاهرة تعاطي المخدرات لدى الشباب، علينا بأن لا ننسى بأنها ظاهرة مركبة ومتعددة المحددات والأسباب، وبأنني هنا أستحضر معك وأحلل أهم الأسباب والدوافع السيكولوجية في ارتباطها أساسا بالظواهر والمعضلات التي تم طرحها خلال الحوارات السابقة. فلرؤية أشمل وتحليل أدق وفهم أوسع، علينا أن نستحضر كذلك العديد من الظواهر والأسباب الفاعلة بكيفية مباشرة أو غير مباشرة وراء ظاهرة تعاطي المخدرات، الآخذة في الانتشار بكيفية دالة لدى العديد من أفراد فئة الشباب، في ارتباطها بثقل إغراءات وسائل الإعلام، وشبكات الإتجار بالمخدرات، وانعكاسات التحولات البنيوية التي تعرفها الأسرة المغربية، من حيث انتقالها من مرجعية وبنية الأسرة الممتدة البطريكالية الثقافة والممارسات، إلى بنية الأسرة النووية العصرية الآخذة في الإنبناء والانتظام، وما أصبح يشعر به العديد من الشباب داخل أوساطهم الأسرية من مشاعر الغربة أو الاختناق السيكولوجي، بسبب غياب ثقافة وسيكولوجية التواصل الودي والمفتوح والحوار والإنصات الأبوي، وبسبب ترنح وتقلب التربية الأسرية من جهة بين سيادة مواقف اللامبالاة وعدم الاكتراث، بمعادلة "افعل ما تشاء"، ومن جهة أخرى بين سيادة مواقف المراقبة الحادة والتربية المحروسة، بمعادلة "لا تفعل شيئا بدون إذن مني ورقابتي المسبقة"؛ هذا مع غياب ثقافة وممارسات ما أسميه "بالمشروع الأسري" كمرجعية ناظمة وحاضرة في تدبير الشأن الأسري. فهذا التحول في نواظم الأسرة المغربية وعلاقاتها وتوازناتها، من خلال انتقالها السريع والمتسارع من أسرة ممتدة تقليدية وسلطوية الثقافة والممارسات إلى أسرة نووية عصرية الباحثة عن توازناتها الأساسية، جعلت العديد من الشباب يفتقد إلى مرجعية ونواظم المشروع الأسري التربوي الواضح المعالم والأسلوب والتعاقدات والممارسات، ويفتقد إلى ثقافة التواصل والحوار والإنصات الأسري، الضروري في هذه المرحلة السيكولوجية والمجتمعية الدالة من تاريخ ودينامية مجتمعنا وتحولاته الكبرى. هذا بالإضافة إلى سيكولوجية ضبابية الرؤية والخوف من المستقبل، وضعف المراهنة على المؤسسة التعليمية وعلى تأهيلاتها لدى العديد من الشباب، بسبب ثقل ظاهرة بطالة الخريجين الجامعيين على الصعيد الوطني، وكذلك بسبب غياب ثقافة وبيداغوجية "مشروع المؤسسة" في تدبير الشأن المدرسي، وفي إرشاد وتوجيه التلاميذ والإنصات الفعلي إليهم وإلى مشاريعهم وإلى حيرتهم وانشغالاتهم وتطلعاتهم ...إلخ. وكل هذه العوامل مجتمعة تولد معها، لدى العديد من الشباب مشاعر ومواقف وتمثلات انسداد الأفق والانحصار والمحاصرة السيكولوجية، وعدم الثقة بالنفس والقلق والملل والروتين وكل مختلف مواصفات وسمات "البطالة السيكولوجية"، والتي جميعها تشكل نفيا لأسس ودعامات سيكولوجية وشخصية الشباب الإيجابية كما حددتها سابقا. وهذه كلها عوامل فاعلة ومساعدة نجدها حاضرة وبقوة وراء إقبال الشباب المغربي على تعاطي المخدرات، بل وأحيانا الإدمان عليها.

من هنا، ومن خلال هذا التحليل والتشخيص السيكو-اجتماعي ندرك بأن المجتمع المغربي بإيقاعات تحولاته ونوعية معضلاته المجتمعية، الاقتصادية منها والتأهيلية والمهنية والترابية والأسرية السالفة الذكر، أصبح يولد لنا الشروط والإكراهات وأشكال المعاناة الفردية والجماعية التي نجدها فاعلة وحاضرة بقوة في إقبال الشباب على تعاطي المخدرات بكل سلبياتها ومخلفاتها وأضرارها الحادة والمزمنة.



حاوره: إدريس شحتان 2004

جميع الحقوق محفوظة لموقع مغرب علم النفس
هل أعجبك الموضوع ؟

Formulaire de contact

Nom

E-mail *

Message *

موقع علم النفس المغرب للدكتور عبد الرحيم عمران